المرأة في الحضارة الإسلامية — الدور الحضاري

 مقدمة  

في خضم الحديث عن الحضارة الإسلامية وإنجازاتها الخالدة،  كثيرًا ما يُغفَل دور المرأة التي كانت شريكًا فاعلًا في بناء صرح هذه الحضارة ونهضتها فمن رحاب المساجد إلى أروقة الأسواق، ومن دور العلم إلى ميادين الإصلاح الاجتماعي، تركت المرأة المسلمة بصمتها الراسخة في تاريخ الإنسانية.


أولًا: المرأة والعلم — رائدات في زمن الازدها

لم يكن العلم حكرًا على الرجال في الحضارة الإسلامية، بل فتحت هذه الحضارة أبوابها أمام المرأة لتُسهم في إثراء المعرفة الإنسانية.

السيدة عائشة رضي الله عنها تُعدّ من أبرز العلماء في تاريخ الإسلام؛ فقد روت آلاف الأحاديث النبوية، وأفتت في مسائل الفقه والطب والشعر، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في المسائل المشكلة.

فاطمة الفهرية مؤسسة جامعة القرويين في فاس عام 859م، وهي أقدم جامعة في العالم لا تزال تعمل حتى اليوم، وهو إنجاز يختصر وحده عظمة دور المرأة في الحضارة الإسلامية.

شُهدة الكاتبة المعروفة بـ"فخر النساء"، كانت محدّثة بغداد في القرن الثاني عشر الميلادي، وتتلمذ على يديها عدد من كبار العلماء.

ثانيًا: المرأة والاقتصاد — يد بانية لا يد ممدودة

أسهمت المرأة المسلمة في الحياة الاقتصادية بصورة لافتة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تحصرها في الأدوار المنزلية.

السيدة خديجة رضي الله عنها، أولى زوجات النبي ﷺ، كانت تاجرة ناجحة تمتلك قوافل تجارية تجوب جزيرة العرب، وكانت تُشغّل الرجال وتديرهم، وهو نموذج يكشف عن مكانة المرأة في الاقتصاد الإسلامي المبكر.

في العصر العباسي، امتلكت النساء من الطبقات الميسورة العقارات والأوقاف، وأنشأن المدارس والمستشفيات والأسبلة، مما جعلهن ركيزة أساسية في منظومة التكافل الاجتماعي.

وثّق الباحثون في تاريخ الأوقاف الإسلامية أن نساء كثيرات أسسن وقفيات ضخمة في مكة والمدينة ودمشق والقاهرة، كانت تموّل التعليم والرعاية الصحية لعامة الناس.

ثالثًا: المرأة والتعليم — معلمات صنعن أجيالًا

من المفارقات اللافتة أن الحضارة الإسلامية عرفت ظاهرة "المحدِّثات" أي النساء العالمات اللواتي تصدّرن للتدريس، وقد أحصى الباحث محمد أكرم الندوي في موسوعته أكثر من 8000 امرأة محدِّثة على مدار التاريخ الإسلامي.

كانت حلقات العلم في المساجد تضمّ النساء طالبات ومعلمات على حدٍّ سواء، وكانت إجازة العلمية — أي شهادة التدريس — تُمنح للمرأة كما تُمنح للرجل، بل إن بعض العلماء الكبار افتخروا بأن من بين شيوخهم نساء.

رابعًا: المرأة والطب — حاضرة في ميادين الشفاء

لم تكن المرأة المسلمة غائبة عن ميدان الطب والتمريض:

في غزوات النبي ﷺ، اضطلعت النساء بمهمة تضميد الجرحى وتمريض المرضى، ومن أبرزهن رُفيدة الأسلمية التي يعدّها المؤرخون أولَ ممرضة في الإسلام.

في الأندلس، برعت نساء في الطب والتوليد، وكان الأطباء يوصون المريضات بالرجوع إليهن فيما يخص صحة المرأة.

خامسًا: المرأة والأدب والشعر — صوت لا يُخمد

أنجبت الحضارة الإسلامية شاعرات وأديبات تركن إرثًا أدبيًا ثريًا:

الخنساء، التي أجمع النقاد على أنها من أعظم شعراء الرثاء في تاريخ العرب، وقد أسلمت وأرسلت أبناءها للجهاد.

رابعة العدوية، الصوفية الكبرى، التي أثرت الفكر الإسلامي بمفهومها الفريد للمحبة الإلهية، وأثّرت في اللاهوت الإسلامي لقرون.

ولاّدة بنت المستكفي في الأندلس، أديبة وشاعرة أدارت صالونًا أدبيًا كان منارةً للثقافة والنقد.

الخاتمة

إن المرأة في الحضارة الإسلامية لم تكن هامشًا في متن التاريخ، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من نسيجه. من العلم إلى الاقتصاد، ومن التعليم إلى الطب والأدب، كانت حاضرة بفكرها وعطائها وتأثيرها. إن استحضار هذه الصفحات المضيئة ليس ترفًا فكريًا، بل هو واجب حضاري نحو أجيال تبحث عن هويتها وجذورها.

"إنما النساء شقائق الرجال" — الحديث النبوي الشريف

معلومات لا يعرفها كثيرون عن دور المرأة في الحضارة : الإسلامية-

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كانت تاجرة من قريش ذات مال ومكانة. وتذكر كتب السيرة أنها استأجرت محمداً ﷺ قبل البعثة للتجارة بمالها إلى الشام، ثم تزوجها، وكانت من أوائل من آمنوا به.

عائشة رضي الله عنها من أكثر الصحابة رواية للحديث، وتُذكر لها في الإحصاءات المتداولة أكثر من ألفي حديث. وألّف بدر الدين الزركشي كتاباً جمع فيه استدراكاتها على بعض الصحابة بعنوان "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".

أم الدرداء الصغرى (هجيمة) كانت فقيهة وعالمة في دمشق في القرن الأول الهجري، وتذكر كتب التراجم أن حلقتها العلمية كان يحضرها الرجال والنساء، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان كان يجالسها.

اشتهرت كريمة المروزية (ت 463هـ) برواية صحيح البخاري، وتذكر المصادر أن الخطيب البغدادي أخذ عنها. وتذكر دراسة الباحث محمد أكرم الندوي في كتابه "المحدّثات" أن أسماء آلاف النساء وردت في كتب التراجم راويات للحديث ومعلّمات له، وهو رقم تقريبي لا تُجزم به.

فاطمة الفهرية أسّست جامعة القرويين في فاس عام 859م، وتُعدّ بحسب موسوعة غينيس من أقدم الجامعات التي لا تزال تعمل (وقد كتبنا لك فقرة عنها).

فاطمة السمرقندية (القرن السادس الهجري) فقيهة حنفية وابنة العالم علاء الدين السمرقندي، وتزوجها تلميذ أبيها الكاساني صاحب "بدائع الصنائع". وتذكر كتب التراجم أنها كانت تُفتي ويُرجع إليها.

اشتهرت زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد بما يُنسب إليها من آبار ومنازل على طريق الحج بين الكوفة ومكة، وعُرف هذا الطريق بـ**"درب زبيدة"**. وتُنسب إليها أعمال لسقاية الحجاج، وتفاصيل ما بنته بنفسها وما نُسب إليها لاحقاً تختلف بين المصادر.

في الأندلس اشتهرت لبنى القرطبية بإتقانها الكتابة والحساب، وتذكر المصادر أنها عملت كاتبة لدى الخليفة الحكم المستنصر. واشتهرت ولّادة بنت المستكفي بالشعر وبمجلسها الأدبي في قرطبة.

اشتهرت سُتيتة المحاملي (ت 377هـ) في بغداد بإتقان الحساب والفرائض، أي علم المواريث، وتذكر كتب التراجم أنها كانت تُفتي فيه. وتذكر بعض الدراسات أن مريم العجلية صنعت الإسطرلاب في حلب في القرن الرابع الهجري.

تولّت نساء الحكم، ومنهن أروى الصليحية ملكة اليمن في القرن الخامس الهجري، وقد ذُكر اسمها في الخطبة بحسب مؤرخين، ورضية سلطانة في دلهي (1236–1240م)، وشجرة الدر في مصر.

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments