الزباء — ملكة تدمر التي تحدّت روما

 المقدمة

"لوحة: الملكة زنوبيا تخاطب جنودها — المصدر: Wikimedia Commons"
في تاريخ النساء العظيمات اللواتي وقفن في وجه الإمبراطوريات وقلن لا — ثمة أسماء تتردد صداها عبر القرون كالرعد في ليلة صافية. وزنوبيا — التي عرفها العرب بالزباء — كانت واحدة من أكثر هذه الأسماء إثارةً للدهشة والإعجاب والتساؤل. ملكة من صحراء الشام أقامت إمبراطورية تمتد من مصر حتى آسيا الصغرى، وتحدّت روما في أوج عظمتها، وقاتلت حتى آخر رمح، ثم اختارت — وفق بعض الروايات — الموت على الذل. لم تكن الزباء مجرد ملكة حكمت مدينة — بل كانت فكرة عن الكبرياء الإنساني في أسمى صوره، وإثباتاً أن الأمة التي تؤمن بحقها في الحرية لا تُقهر إلا حين تختار هي أن تُقهر.

تدمر — اللؤلؤة في قلب الصحراء

قبل أن نبدأ قصة الزباء لا بد من استحضار المدينة التي كانت قصتها — تدمر، تلك المدينة الأسطورية التي قامت في قلب الصحراء السورية كأنها حلم في وسط كابوس. كانت تدمر واحة تجارية استثنائية تقع على ملتقى طرق القوافل الكبرى بين الشرق والغرب — تجتمع فيها بضائع الهند والصين وبلاد فارس في طريقها إلى روما والإمبراطورية البيزنطية.

كانت تدمر تملك ما لا تملكه مدن كثيرة أكبر منها — موقعاً استراتيجياً لا يُضاهى جعلها بوابة التجارة العالمية في عصرها. وكان سكانها خليطاً فريداً من العرب والآراميين والفرس واليونان — حضارة هجينة جمعت في مبانيها العمود اليوناني والزخرفة الشرقية والروح العربية في مزيج لم يُشبهه شيء في العالم القديم. وكانت معابدها وأعمدتها — التي تبقى منها حتى اليوم — تشهد على جمال لا يُنسى وعظمة حضارة بنت لتخلد.

أذينة — الملك الذي مهّد الطريق

لا يمكن فهم قصة الزباء دون البدء بزوجها أذينة بن الوهب — الملك التدمري الذي رفع تدمر من مجرد مدينة تجارية إلى قوة عسكرية وسياسية تُهابها روما نفسها. كان أذينة رجلاً من طينة القادة الذين يرون الفرصة حيث يرى غيرهم الخطر — وحين اجتاح شابور الأول الساساني الجيوش الرومانية وأسر الإمبراطور فاليريان عام 260م في أكبر إهانة عسكرية تعرضت لها روما في تاريخها، انتهز أذينة الفرصة وضرب الجيش الفارسي المنسحب وألحق به خسائر فادحة.

جعلت هذه الضربة المُتقنة من أذينة بطلاً في عيون الرومان — فمنحوه لقب "مُصلح الشرق كله" وفوّضوا إليه حكم المشرق الروماني بصلاحيات واسعة. وكان أذينة يحكم إمبراطوريته الصغيرة بذكاء بالغ — يُقدّم نفسه حليفاً لروما في العلن بينما كان يُوسّع نفوذه في السر حتى أصبح حاكم الشرق الفعلي.

غير أن حياة أذينة انتهت بطريقة مفاجئة — اغتيل عام 268م في ظروف لا تزال محل جدل تاريخي، وتشير بعض الروايات إلى تورط زوجته الزباء في مقتله أو على الأقل تقاعسها عن حمايته. وهكذا وجدت الزباء نفسها فجأة على رأس مملكة في لحظة من أكثر لحظات التاريخ تعقيداً وخطورة.

الزباء — المرأة التي صنعتها الصحراء

كانت الزباء — أو زنوبيا كما سمّاها الرومان — من طينة لا تُصنع في القصور والحدائق بل تُصنع في الصحراء والمعارك والأزمات. وُلدت في تدمر في منتصف القرن الثالث الميلادي، وكانت ابنة أمير من أمراء تدمر ثم أصبحت زوجة ملكها أذينة.

وصفها المؤرخون الرومان — الذين كانوا أعداءها — بأنها كانت امرأة استثنائية في كل شيء. كانت تتكلم المصرية والعربية والآرامية واليونانية واللاتينية — خمس لغات في عصر كان فيه تعلم لغة واحدة سوى لغة الأم إنجازاً. وكانت تتفلسف مع الفلاسفة وتناقش العلماء وتستشير المفكرين في قرارات مملكتها — وكان المؤرخ والفيلسوف اليوناني لونجينوس أبرز مستشاريها وأقربهم إلى عقلها وقلبها.

وكانت تركب الخيل وتصطاد وتسير مع جيشها في الميدان — يُروى أنها كانت أحياناً تمشي أميالاً مع جنودها في الحملات العسكرية رافضةً أن تُميّز نفسها عنهم بالترف. وكانت تأكل مع ضيوفها على مائدة واحدة متخذةً من ذلك رسالةً ضمنية بأنها ملكة الشعب لا ملكة فوق الشعب.

الإمبراطورية — حين تمتد تدمر من النيل إلى البوسفور

حين تولّت الزباء الوصاية على عرشها باسم ابنها الصغير وهبلات، لم تكن لديها نية الاكتفاء بما تركه لها أذينة — كانت تحمل في صدرها طموحاً لا يعرف الحدود وعقلاً لا يقبل النصف.

في عام 270م، أرسلت جيوشها نحو مصر بقيادة قائدها الأمهر زبدا — وكانت مصر في ذلك العصر أغنى ولايات الإمبراطورية الرومانية وأهمها. سقطت مصر بسرعة مذهلة لم يتوقعها أحد، وخضع الوالي الروماني للزباء في مشهد كان رسالةً صاخبة لروما: ثمة قوة جديدة تولد في الشرق.

ولم تتوقف الزباء عند مصر — امتدت فتوحاتها نحو آسيا الصغرى شمالاً، ونحو بلاد الشام كلها غرباً وشرقاً، حتى أصبحت تحكم إمبراطورية تمتد من مصر جنوباً إلى هضبة الأناضول شمالاً — أي نحو ثلث الإمبراطورية الرومانية كلها. وأعلنت الزباء استقلالها التام عن روما وسكّت عملتها باسمها وباسم ابنها وأعلنت نفسها ملكة الشرق.

كان ذلك تحدياً مباشراً لروما لا يمكن أن تتجاهله أو تُسكت عنه — فالإمبراطورية التي كانت تُسمي نفسها سيدة العالم لم تكن تقبل أن تفقد ثلثها لملكة صحراوية من تدمر.

أورليان — الإمبراطور الذي جاء ليُعيد الشرف الروماني

في عام 272م، قرر الإمبراطور الروماني أورليان — الذي كان يُلقَّب بـ"مُعيد توحيد العالم" — أن الوقت قد جاء للقضاء على إمبراطورية الزباء واسترداد ما فقدته روما. كان أورليان رجلاً من أكثر أباطرة روما حزماً وكفاءة عسكرية — لم يكن يُفرّق بين ملكة ومحارب حين تعلق الأمر بشرف روما ووحدة إمبراطوريتها.

زحف أورليان بجيشه نحو الشرق في حملة محكمة التخطيط دقيقة التنفيذ. استعاد آسيا الصغرى وبلاد الشام دون مقاومة تُذكر — فقد كانت معظم المدن تفتح أبوابها أمامه مُدركةً أن الموازين قد اختلت لصالح روما. لكنه حين اقترب من تدمر نفسها وجد الزباء تنتظره — لم تفرّ ولم تستسلم ولم تُفاوض.

معركة إيميسا — الصدام الحاسم

في معركة إيميسا — حمص اليوم — التقى الجيشان في المواجهة الحاسمة. أبدى جيش الزباء شجاعةً وقتالاً لا يُناسبان جيشاً يواجه أعتى جيوش العالم — صمد المحاربون التدمريون وألحقوا بالرومان خسائر فادحة قبل أن تنقلب الموازين.

كانت خيالة تدمر المثقلة بالدروع — وهي من أفضل الخيالة في العالم القديم — قد استنزفت قوتها في المعركة وتراجعت. وانتهزت الخيالة الرومانية الخفيفة هذه اللحظة وأوقعت بالجيش التدمري الهزيمة الكبرى. كانت تلك بداية النهاية — لكن الزباء لم تكن لتقبل النهاية بسهولة.

الفرار والأسر — نهاية ملكة

حين أدركت الزباء أن المعركة خُسرت وتدمر ستسقط، فرّت راكبةً جملها الأسرع نحو الفرات — كانت تسابق الزمن وتحاول الوصول إلى أرض فارس حيث يمكنها الاستمداد والعودة. لكن الفرسان الرومان لحقوا بها قبل أن تعبر النهر وأسروها في مشهد كان يُنهي عصراً كاملاً.

حين أُحضرت الزباء أمام أورليان مكبّلة بالسلاسل، كان ذلك المشهد يحمل من الدلالات ما يفوق الوصف — ملكة حكمت ثلث العالم المعروف تقف مُقيَّدة أمام الرجل الذي هزمها. غير أن الزباء أبت أن تُقدّم ما يريده منها أورليان — الخضوع والاعتراف بالهزيمة.

الموت أم الأسر — النهاية التي تتباين فيها الروايات

هنا تتباين الروايات التاريخية تبايناً لافتاً في مصير الزباء — وكأن التاريخ نفسه أبى أن يُحسم مصير هذه الملكة بطريقة واحدة.

تقول بعض الروايات إن الزباء سُيق بها في موكب النصر الروماني في روما مُقيَّدة بسلاسل من ذهب في مشهد أراد منه أورليان إهانتها وإظهار عظمة انتصاره. وتقول روايات أخرى إنها رفضت هذا الذل ومثلت أمام أورليان بكل كبرياء وحاكمته على حقه في حكمها مستندةً إلى حجج سياسية بارعة. وثمة روايات تقول إنها عاشت بعد أسرها في تيفولي قرب روما حياة شبه حرة كريمة حتى وفاتها. لكن أكثر الروايات شاعريةً وأعمقها في الوجدان العربي تلك التي تقول إنها حين أُحضرت إلى الموكب الروماني تجرّعت السمّ وماتت أمام عيون الرومان — مُفضِّلةً الموت على أن تكون زينة في موكب من هزمها.

مستشارها لونجينوس — الفيلسوف الذي مات وفياً

من أكثر ما يضيء قصة الزباء إنسانياً مصير مستشارها الفيلسوف لونجينوس — ذلك المفكر اليوناني العظيم الذي آثر البقاء إلى جانب ملكته حين كان بإمكانه النجاة.

حين سألها أورليان عمن أشار عليها بالتمرد على روما، تقول بعض الروايات إنها أشارت إلى مستشاريها وكان من بينهم لونجينوس — وإن كانت روايات أخرى تُبرئها من هذا الاتهام. أعدم أورليان لونجينوس دون تردد — وكان لونجينوس حين مضى إلى موته يُثبت أن الوفاء للفكرة والملكة أقوى من الخوف من الموت.

تدمر بعد الزباء — المدينة التي أبت النسيان

سقطت تدمر في يد أورليان ونُهبت وتراجع نجمها إلى الأبد كعاصمة إمبراطورية — لكنها لم تمت. بقيت مدينةً معمورة تحت الحكم الروماني ثم البيزنطي ثم الإسلامي، وظلت أعمدتها وأقواسها شاهدةً على عظمة حضارة رفضت أن تُنسى.

وحين جاء الإسلام إلى الشام في القرن السابع الميلادي، كانت تدمر لا تزال قائمة وذاكرتها حية — وكان العرب المسلمون يستشعرون في أعمدتها شيئاً من روح الزباء التي سبقتهم في تحدي الإمبراطوريات.

الإرث — ملكة لا تموت

عبر سبعة عشر قرناً من رحيل الزباء، لا يزال اسمها يستدعي الإعجاب والتأمل في أرجاء العالم. كانت رمزاً للمرأة العربية القوية الذكية المقاتلة في عصر كان يرى المرأة حاشية لا مركزاً. وكانت دليلاً على أن الحضارة ليست حكراً على أمة بعينها أو دين بعينه أو جنس بعينه.

وكان أثرها يمتد إلى ما هو أبعد من حدود إمبراطوريتها — فقد أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط وأثبتت أن القوة الرومانية ليست قدراً لا يُردّ، وفتحت الطريق لأجيال من المقاومة ضد الهيمنة الإمبراطورية. وحين نقرأ اليوم عن الزباء في كتب التاريخ أو نقف أمام أعمدة تدمر، نُدرك أن هذه الملكة لم تُهزم حقاً — فالمهزوم من يختفي من الذاكرة، والزباء لا تزال حاضرة بعد سبعة عشر قرناً.

الخاتمة

الزباء لم تكن ملكة عادية ولم تكن أسطورة فارغة — بل كانت إنساناً استثنائياً آمن بحق شعبه في الحرية وحق مدينته في الاستقلال، وقاتل حتى آخر رمح، ثم اختار — وفق الرواية التي تُنصفها أكثر — الموت على الذل. وفي هذا الاختيار كل فلسفتها وكل إرثها وكل سبب يجعلها لا تُنسى. الملوك الذين يستسلمون يُنسون، والملوك الذين يُقاتلون حتى النهاية يُخلَّدون — والزباء قاتلت حتى النهاية، ولذلك هي هنا بيننا بعد سبعة عشر قرناً تروي قصتها.

" الزباء "لن أُزيّن موكب أحد بأسري

: معلومات لا يعرفها كثيرون عن الزباء -

اسمها الحقيقي بت زبّاي بالآرامية — وعُرفت في التاريخ العربي بـ"الزباء" وعند الغرب بـ"زينوبيا"، وكانت تنتسب إلى أصول عربية نبطية وتفخر بانتسابها إلى كليوباترا ملكة مصر

كانت الزباء تتكلم أربع لغات بطلاقة تامة — العربية والآرامية واليونانية والمصرية القديمة، وكانت تُدير شؤون مملكتها بنفسها وتُشارك جنودها في الحروب راكبةً على فرسها بين الصفوف

بنت الزباء إمبراطورية امتدت في أوج قوتها من العراق شرقاً حتى مصر والأناضول غرباً — وتحدّت روما في وقت كانت فيه أعظم قوة في العالم، وكادت أن تُسقط الإمبراطورية الرومانية الشرقية بأكملها

حين هزمها الإمبراطور الروماني أورليان وأسرها عام 272م — قادها في موكب النصر في روما مُقيّدة بسلاسل من الذهب تكريماً لمكانتها، ورفضت أن تنكسر أمام الجمهور وظلت شامخة الرأس طوال الموكب

اختلف المؤرخون في نهايتها — فبعضهم قال إنها أُعدمت وبعضهم قال إن أورليان أطلق سراحها وأعطاها قصراً في تيفولي قرب روما حيث عاشت حتى ماتت، وبعضهم قال إنها رفضت الأسر وسمّت نفسها قبل أن تصل إلى روما

تدمر مدينة الزباء لا تزال شاهدة على عظمتها حتى اليوم — وحين دمّر تنظيم داعش آثارها عام 2015م كان ذلك جرحاً في ذاكرة الإنسانية كلها، وقال المؤرخون: "من يدمر تدمر يدمر إرث امرأة تحدّت روما وانتصرت عليها قبل أن تُهزم"

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments

Anonymous said…
Good 👍🏽