فاطمة الفهرية — المرأة التي بنت أقدم جامعة في العالم

   المقدمة 

في تاريخ الإنسانية الطويل، ثم أسماء تحمل من الثقل الحضاري ما يجعلها أكبر من مجرد أشخاص — أسماء تُجسّد فكرة بأكملها وتُثبت حقيقة لا يُمكن دحضها. وفاطمة بنت محمد الفهرية واحدة من هذه الأسماء النادرة — امرأة من القرن التاسع الميلادي، في زمن كانت فيه المرأة في كثير من أنحاء العالم مجرد هامش في متن الحياة، قرّرت أن تُنفق إرثها كله في بناء مؤسسة تعليمية ستغدو بمرور القرون أقدم جامعة تعمل باستمرار في تاريخ الإنسانية حتى اليوم. لم تكن فاطمة الفهرية مجرد امرأة صالحة أنفقت مالها في وجوه الخير — بل كانت رؤية متجسدة في امرأة آمنت بأن العلم هو أعظم ما يمكن أن تُقدّمه إنسانة لإنسانية.

الجذور — أسرة هاجرت بعلمها وإيمانها

وُلدت فاطمة بنت محمد الفهرية في القيروان — تلك المدينة العلمية العريقة في تونس — في مطلع القرن التاسع الميلادي. كانت أسرتها من الأسر العربية الكريمة التي تنتسب إلى قبيلة فهر من قريش — ومنها جاء لقبها "الفهرية". وكان أبوها محمد الفهري رجلاً من رجال العلم والتجارة، جمع بين ثروة الدنيا وثروة الدين، وربّى ابنتيه فاطمة ومريم تربية نادرة في عصرها — علّمهما الفقه والحديث والأدب وأكرمهما بما أكرم به أبناءه.

حين اضطربت الأوضاع السياسية في القيروان، قرّر محمد الفهري الهجرة بأسرته إلى فاس — تلك المدينة التي كان قد أسّسها المولى إدريس الثاني عام 809م وجعلها عاصمة للدولة الإدريسية المزدهرة. وكانت فاس في تلك الحقبة تستقبل موجات من العلماء والتجار والأسر الكريمة القادمة من القيروان والأندلس — وكانت تنمو بسرعة لتصبح واحدة من أعظم مدن العالم الإسلامي.

نشأت فاطمة في فاس وتشرّبت من هوائها المشبع بالعلم والإيمان — درست على يد أبيها وعلماء المدينة، وتزوجت وعاشت حياة المرأة المؤمنة المتعلمة. غير أن الأقدار كانت تُعدّ لها دوراً أكبر بكثير مما تتوقعه.

الإرث والقرار — حين يُصبح المال رسالة

توفي أبوها محمد الفهري وتوفي زوجها في فترة متقاربة — وورثت فاطمة وأختها مريم ثروة طائلة كانت حصيلة عمر أبيهما في التجارة والكد. وجدت فاطمة نفسها أمام لحظة مفصلية — ثروة في يدها وخيارات أمامها لا تحدّها حدود.

كان بإمكانها أن تعيش بيسر وراحة بقية حياتها. كان بإمكانها أن تُنفق في وجوه الخير المعتادة — تبني داراً أو تُطعم الفقراء أو تُعين المحتاجين. لكن فاطمة الفهرية نظرت إلى فاس التي تعجّ بطلاب العلم القادمين من كل أنحاء العالم الإسلامي ولا يجدون مكاناً لائقاً يستوعب تعطّشهم للمعرفة — ورأت في ثروتها فرصة لا تتكرر.

قرّرت فاطمة أن تُنفق كل ما ورثت في بناء مسجد وجامعة تُقدّمها وقفاً لله ولطلاب العلم — وكان ذلك قراراً أذهل أهل فاس في زمانها لأنه لم يكن قراراً امرأة فحسب بل كان قراراً لا يقدر عليه كثير من الرجال.

بناء القرويين — صبر امرأة صنع تاريخاً

في عام 859م، بدأت فاطمة الفهرية مشروع حياتها — بناء جامعة القرويين في فاس. وكانت التسمية جاءت من حي القيروانيين الذين سكنوا تلك المنطقة من فاس — تذكاراً للمدينة التي جاءت منها أسرتها.

ما يُميّز قصة فاطمة في بناء القرويين أنها لم تكن مجرد ممولة تدفع المال وتنتظر النتيجة — بل كانت مشرفة وشاهدة ومشاركة في كل تفصيل. يُروى أنها صامت من أول يوم في البناء حتى اليوم الأخير منه — وكانت لا تُفطر إلا حين تُفطر أيام العمل، في رمزية روحية عميقة تجعل هذا البناء عبادة لا مجرد مشروع. وكانت تتابع سير البناء يومياً وتسأل عن كل تفصيل وتُشرف على جودة المواد والتصميم والتنفيذ.

وحين اكتمل البناء وصلّت فيه صلاتها الأولى شكراً لله، كانت تعلم أنها أنجزت شيئاً سيبقى بعدها — لكنها لم تكن تعلم كم سيبقى ولا كيف سيُغيّر مسار الحضارة الإنسانية.

القرويين — أقدم جامعة في العالم

حين يقول المؤرخون إن جامعة القرويين هي أقدم جامعة تعمل باستمرار في تاريخ الإنسانية، فهم يقولون حقيقة موثقة اعترفت بها منظمة اليونسكو وسُجّلت في موسوعة غينيس للأرقام القياسية — أقدم من أكسفورد التي تأسست عام 1096م، وأقدم من بولونيا الإيطالية التي تأسست عام 1088م.

لكن الأرقام وحدها لا تُعطي القرويين حقها — فالأكثر إثارةً من عمرها الزمني هو ما أنتجته من علماء وحضارة. تخرّج من القرويين على مدى اثني عشر قرناً علماء في الفقه والفلسفة والرياضيات والفلك والتاريخ والأدب — وكان من أبرز من تتلمذوا على علمائها أو تأثروا بها عالم يهودي أندلسي سيُصبح لاحقاً البابا سيلفستر الثاني، أول بابا فرنسي في تاريخ الكنيسة — وهو ما يُجسّد الأثر الحضاري للقرويين الذي تجاوز حدود الدين والجغرافيا.

وتخرّج منها ابن خلدون — أبو علم الاجتماع وصاحب المقدمة التي أذهلت العالم. وتأثر بعلمائها ابن رشد الفيلسوف الكبير. وكان ليوناردو فيبوناتشي — الرياضي الإيطالي الذي أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا — قد تعلّم في شمال أفريقيا وتأثر بالتعليم الإسلامي الذي كانت القرويين منارته الكبرى.

أختها مريم — شقيقة الإنجاز

لا تكتمل قصة فاطمة الفهرية دون ذكر أختها مريم الفهرية — تلك المرأة التي سارت على خطى أختها وآثرت إنفاق نصيبها من الإرث في وجوه العلم والعبادة. بنت مريم مسجد الأندلسيين في فاس — في المقابل الآخر من المدينة — الذي لا يزال قائماً حتى اليوم شاهداً على أسرة كاملة آثرت البناء للأجيال على الاستهلاك للذات.

كانت الأختان نموذجاً فريداً في تاريخ الحضارة الإسلامية — نساء ورثن ثروة فجعلن منها إرثاً حضارياً لا ينضب. وكان من يرى فاساً في تلك الحقبة يرى مدينة أضاءتها امرأتان بعلمهما وكرمهما وإيمانهما.

الشخصية — امرأة من طينة نادرة

ما يجعل فاطمة الفهرية استثنائية ليس فقط ما بنته بل ما كانت عليه. كانت عالمة متمكنة في الفقه والحديث — درست وتعلمت واجتهدت في وقت كان فيه التعليم حكراً على قلة من النساء. وكانت صاحبة رؤية حضارية نادرة رأت في العلم ما هو أثمن من الثروة ومن البقاء الشخصي.

وكانت تحمل من التواضع ما يُوازن طموحها الكبير — فهي لم تُسمِّ الجامعة باسمها ولم تجعل من إنجازها وسيلة للشهرة الشخصية، بل سمّتها بالقرويين نسبةً إلى حي القيروانيين احتفاءً بجذورها وجذور من جاؤوا معها. وكان صيامها طوال فترة البناء تجسيداً لفهمها العميق بأن هذا العمل ليس لها بل لله ولطلاب العلم من بعدها.

الإرث — اثنا عشر قرناً من العطاء

منذ عام 859م حتى اليوم — أي ما يزيد على اثني عشر قرناً — لم تتوقف القرويين عن استقبال طلاب العلم وإنتاج العلماء وإضاءة عقول الأجيال. شهدت في تاريخها الطويل ازدهار الحضارة الإسلامية وأفولها، ومرور المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين على المغرب — وفي كل هذه الحقب كانت القرويين حاضرة تؤدي رسالتها بصمت العالم وديمومة الحجر.

وفي عام 1963م، أصبحت القرويين جزءاً من منظومة التعليم العالي في المغرب الحديث وضُمّت إلى جامعة القرويين الرسمية — وكان ذلك اعترافاً رسمياً بمكانة مؤسسة تجاوزت الأزمنة والأنظمة والحضارات.

الخاتمة

فاطمة الفهرية لم تترك وراءها كتاباً مشهوراً ولا معركة خالدة ولا مقولة تُردد على كل لسان. تركت شيئاً أعظم من ذلك كله — مؤسسة تعلّم فيها ابن خلدون وتتعلم فيها أجيال لم تُولد بعد. وفي عصر يتحدث كثيرون عن إرث المرأة ودورها في الحضارة، تقف فاطمة الفهرية شاهدةً صامتة بأن أعظم ما تتركه الإنسانة في هذا العالم ليس ما تأخذه بل ما تُعطيه — وأن الثروة الحقيقية ليست ما تملكه بل ما تبنيه للأجيال التي ستأتي بعدك.

"العلم نور، ومن أوقد نوره في قلب مدينة فقد أضاء العالم." 

: معلومات لا يعرفها كثيرون عن فاطمة الفهرية -

فاطمة الفهرية وُلدت في القيروان بتونس — وهاجرت مع أبيها محمد الفهري إلى فاس بالمغرب وهي صغيرة، وكان أبوها تاجراً ثرياً تركت له ثروة طائلة ورثتها فاطمة وأختها مريم بعد وفاته

فاطمة وأختها مريم الفهرية كلتاهما أسستا صرحين خالدين في نفس الوقت — فبينما بنت فاطمة جامعة القرويين بنت مريم المسجد الأندلسي في فاس، وكانتا تتسابقان في خدمة العلم والدين معاً

حين شرعت فاطمة في بناء جامعة القرويين عام 859م صامت طوال فترة البناء كاملة شكراً لله — وأقسمت ألا تضع جنبها على فراش حتى يكتمل البناء، وحين اكتمل صلّت فيه ركعتين شكراً وبكاءً

جامعة القرويين التي بنتها فاطمة في فاس هي أقدم جامعة في العالم لا تزال تعمل حتى اليوم — سبقت جامعة أكسفورد بأكثر من 300 سنة وجامعة باريس بأكثر من 200 سنة، وخرّجت من بين طلابها البابا سيلفستر الثاني الذي نقل الأرقام العربية إلى أوروبا

فاطمة الفهرية بنت جامعتها في حي الأندلسيين بفاس — الحي الذي سكنه اللاجئون الأندلسيون الفارون من الاضطهاد في الأندلس، وكأنها أرادت أن تُقدم للمهجّرين وطناً من العلم يعوّضهم عن وطن ضاع

لا تعرف كتب التاريخ تاريخ وفاة فاطمة الفهرية بدقة — لكن إرثها لا يزال حياً في فاس حتى اليوم، وفي عام 2017م أُعيد افتتاح جامعة القرويين بعد ترميم شامل وكانت مهندسة الترميم امرأة مغربية تكريماً لروح فاطمة

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات



Comments

Anonymous said…
Bravo 👍🏽