ابن الهيثم — الرجل الذي علّم العالم كيف يرى

 المقدمة

في تاريخ العلم رجال لم يكتفوا بالإجابة عن الأسئلة، بل غيّروا الطريقة التي تُطرح بها الأسئلة. وابن الهيثم واحد منهم. كان الناس قبله يختلفون في كيفية الإبصار: هل تخرج من العين أشعة تلمس الأشياء، أم يأتي الضوء من الأشياء إلى العين؟ جاء عالم من البصرة فجعل السؤال موضوعاً للتجربة والبرهان، وألّف في ذلك «كتاب المناظر». ظل هذا الكتاب مرجعاً في أوروبا قروناً بعد ترجمته إلى اللاتينية، وينظر إليه كثير من مؤرخي العلم اليوم بوصفه حجر أساس في علم البصريات الحديث.


النشأة — من البصرة إلى بغداد

وُلد أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم في البصرة نحو عام 965م (354هـ تقريباً)، وتلقى علمه فيها وفي بغداد. وتذكر الدراسات الحديثة أن تفاصيل حياته المبكرة قليلة، وأن أكثر ما نعرفه عنه جاء من مؤرخين متأخرين مثل ابن القفطي، الذي كتب بعد وفاته بنحو قرنين. لذلك سأقول «يُروى» حيث تقتضي الأمانة.

تذكر الروايات أنه تولّى منصباً إدارياً في البصرة، ثم ضاق بالوظيفة وانصرف إلى العلم. ومنذ ذلك الحين لم يتركه.

مشروع النيل — الفكرة الكبيرة التي اصطدمت بالواقع

ذاع صيته حتى بلغ الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في القاهرة. وتروي المصادر أن ابن الهيثم تحدّث عن إمكان ضبط فيضان النيل بالسدود والقنوات، فاستدعاه الحاكم إلى مصر عام 1010م تقريباً ليحقق مشروعه.

سار الرجل مع فريق من المهندسين جنوباً حتى بلغ منطقة أسوان، فرأى بنفسه ضخامة النهر وصعوبة المهمة. وتذكر الروايات أنه أدرك أن مشروعه لا يمكن تنفيذه بإمكانات عصره، فاعترف بذلك.

المحنة — بين الجنون والاحتماء

عاد إلى القاهرة وأُسندت إليه مهمة إدارية، فلم يوفَّق فيها أيضاً، وخشي غضب الحاكم، وكان الحاكم معروفاً بتقلب مزاجه وبطشه. والروايات هنا متباينة. تقول إحداها إن ابن الهيثم تظاهر بالجنون ليحمي نفسه، فوُضع تحت الإقامة الجبرية. وتقول أخرى إنه اختفى حتى وفاة الحاكم. ويصف بعض الباحثين رواية الجنون بأنها أقرب إلى الحكاية المتداولة منها إلى الحقيقة الموثقة.

المتفق عليه أنه بقي معزولاً نحو عشر سنين، حتى توفي الحاكم عام 1021م، فأُعيدت إليه ممتلكاته.

كتاب المناظر — ما صنعته العزلة

في تلك السنوات أنجز ابن الهيثم أشهر أعماله، «كتاب المناظر» في سبع مقالات. ووجد في العزلة ما لم تعطه إياه المناصب: وقتاً للتفكير.

كان جوهر عمله أن يتحقق من الأمور بالتجربة. فقد أبطل نظرية الشعاع الخارج من العين، وبيّن أن الإبصار يحدث حين يصل الضوء المنعكس عن الأجسام إلى العين. ودرس انكسار الضوء وانعكاسه، وتشريح العين ووصفها، وتجارب الغرفة المظلمة (ما يُعرف بالكاميرا المظلمة)، وأخطاء الإدراك البصري، وكيف يصنع العقل من الصورة معنى.

وتُنسب إليه عبارة في معناها أن طالب الحقيقة ليس من يقرأ كتب القدماء ويثق بها ثقة عمياء، بل من يشك فيما قرأ ويمتحنه بالبرهان. وهذا المعنى يتكرر في كتاباته، لكنني أصوغه بالمعنى ولا أنقله حرفياً.

بعد الإقامة الجبرية — حياة العالم الزاهد

بعد عام 1021م عاش في القاهرة قرب الأزهر، كما تذكر بعض المصادر. وتروي كتب التراجم أنه كان يتكسّب بنسخ الكتب العلمية، ويُقال إنه كان ينسخ بعض الكتب الرياضية الكبرى كل عام فيعيش على ثمنها. وهي رواية تراثية لا أستطيع الجزم بتفاصيلها.

وخلال هذه الفترة كتب مؤلفات كثيرة في الرياضيات والفلك والفيزياء. وتذكر المصادر أنه ألّف أكثر من مئتي عمل، لم يصلنا منها إلا نحو ستة وتسعين. وتوفي في القاهرة نحو عام 1040م.

الأثر — من القاهرة إلى أوروبا

ترجم كتاب المناظر إلى اللاتينية نحو عام 1200م تقريباً باسم «De aspectibus». وتذكر دراسات تاريخ العلم أنه أثّر في علماء أوروبيين، منهم روجر بيكون، وأن يوهانس كبلر بنى على أعماله في البصريات. وبقي الكتاب مرجعاً رئيسياً في هذا الميدان حتى القرن السابع عشر.

وتصفه كثير من المراجع بأنه من رواد المنهج التجريبي  وبـ«أبي البصريات الحديثة». وهذه ألقاب حديثة يستعملها المؤرخون، وليست إجماعاً مطلقاً. فالمنهج العلمي نشأ بجهود أجيال كثيرة، وابن الهيثم من أبرز حلقاتها.

الخاتمة

لم يكن ابن الهيثم عالماً محظوظاً. أخفق مشروعه الكبير، وكاد يدفع حياته ثمناً للإخفاق، وعاش في عزلة قسرية. ومع ذلك صنع من العزلة أعظم أعماله. وعلّمنا أن العلم لا يقوم على تصديق الأقدمين وحده، وأن السؤال الصادق أثمن من الجواب الجاهز. ولعل أجمل ما فيه أنه رأى في الشك طريقاً إلى اليقين.

: معلومات لا يعرفها كثيرون عن ابن الهيثم -

هو أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم، وُلد في البصرة نحو عام 965م (354هـ)، وتوفي في القاهرة نحو عام 1040م. وتقريب هذه التواريخ مقبول في المصادر، فاكتب "نحو". وعُرف في أوروبا اللاتينية باسم Alhazen.

من أشهر ما تذكره كتب التراجم (ومنها ابن القفطي وابن أبي أصيبعة) أنه ذهب إلى مصر في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ليشرف على ضبط فيضان النيل، ثم رأى أن المشروع غير ممكن. وتذكر الرواية أنه تظاهر بالجنون خوفاً من العقاب وبقي قيد الإقامة حتى وفاة الحاكم عام 1021م. وهذه القصة مرويّة في مصادر متأخرة عن زمنه، ويشكّك فيها بعض الباحثين، فاكتب "تذكر بعض كتب التراجم".

ألّف أشهر كتبه "كتاب المناظر" في البصريات، ويُؤرَّخ عادةً بين نحو 1011 و1021م، وهو في سبع مقالات. وتذكر بعض الروايات أنه كتبه أثناء إقامته المقيّدة، لكن هذا الربط غير مؤكد.

ناقش في كتابه رأياً قديماً ينسب إلى إقليدس وبطليموس، مفاده أن العين تُرسل شعاعاً يلامس الأجسام فنراها. ودافع ابن الهيثم عن تفسير مختلف، وهو أن الضوء ينعكس عن الأجسام ويدخل إلى العين. وقد أيّده بالملاحظة والتجربة، لا بالفلسفة وحدها.

درس الغرفة المظلمة (الكاميرا المظلمة)، وهي صندوق أو غرفة فيها ثقب صغير يتكوّن بواسطته خيال مقلوب للمشهد الخارجي. وهو من أوائل من وصفوها وصفاً علمياً مفصّلاً، لكن لا يصح أن تقول إنه "اخترع الكاميرا"، فالفكرة كانت معروفة قبله.

درس انكسار الضوء وانعكاسه والمرايا والعدسات، وناقش بنية العين وأجزاءها كما فهمها عصره، وتناول أوهام الإبصار كظاهرة تبدو فيها الأجسام على غير حقيقتها. وبعض ما قاله في تشريح العين قد تجاوزه العلم الحديث، فاكتب "كما فهم عصره".

اعتمد في بحثه التجربة والاختبار مع الرياضيات. ولذلك يلقّبه بعض الباحثين بـ**"أبي البصريات الحديثة"**، وهذا لقب حديث يحمل تقديراً لدوره، وليس لقباً في زمنه. أما الادعاءات العامة مثل "أول عالم تجريبي في التاريخ" فمحل نقاش بين مؤرخي العلم، فتجنّبها.

ترجم كتاب المناظر إلى اللاتينية نحو عام 1200م تقريباً، وتناقله علماء أوروبا في العصور الوسطى والنهضة، ومنهم روجر بيكون ويوهانس كبلر، وتأثروا به في دراسة البصريات. وتفاصيل حجم هذا التأثير تحتاج صياغة معتدلة.

ترك أعمالاً في الرياضيات والفلك منها كتاب "الشكوك على بطليموس" الذي ناقش فيه بعض ما في كتب بطليموس من إشكالات. وتذكر ثبتات تراجمه أن عدد مؤلفاته كبير، وبعضها مفقود، فلا تذكر رقماً بصيغة قاطعة.

«طالب الحقيقة هو من يشك فيما قرأ ويمتحنه بالبرهان.»

— معنى عبارة تُنسب إلى ابن الهيثم (صياغة بالمعنى)

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments