غزوة الخندق — حين حفر المسلمون النصر بأيديهم
المقدمة
في شوال من السنة الخامسة للهجرة (627م) اجتمعت قبائل كانت تتنازع في ما بينها على هدف واحد: القضاء على المدينة المنورة. وتُعرف هذه الغزوة بأسماء متعددة: «الخندق» نسبة إلى الحفرة التي أحاطت بالمدينة، و«الأحزاب» لأن القرآن سمّى المتحالفين بذلك، وقد نزلت فيها آيات من سورة الأحزاب تصف تلك الأيام وصفاً حياً. ولم تُحسم الغزوة بسيف. فقد انقلب ميزان القوى بفكرة جديدة على العرب، وبصبر طويل، ثم بريح أرسلها الله على المحاصِرين. وهي من أعمق غزوات النبي ﷺ أثراً، لأنها نقلت المسلمين من الدفاع عن بقائهم إلى زمام المبادرة.
- ما قبل الغزوة — حلف يتشكل
لم تأتِ الغزوة من فراغ. فقد مرّت أربع سنوات على الهجرة، شهدت بدراً وأُحداً، وانتهت بإجلاء بني النضير عن المدينة. خرج زعماء من بني النضير إلى مكة، فحرّضوا قريشاً على حرب المسلمين، ثم مضوا إلى قبائل غطفان وغيرها من قبائل نجد، فجمعوها على الهدف نفسه.
تألف التحالف من قريش بقيادة أبي سفيان، ومن غطفان بقيادة عيينة بن حصن الفزاري، ومن بني سُليم وبني أسد وغيرهم. وتذكر المصادر أن قوامه نحو عشرة آلاف مقاتل، يقابلهم في المدينة نحو ثلاثة آلاف. ولم تعرف الجزيرة العربية قبل ذلك اجتماعاً بهذا الحجم على حرب واحدة.
الشورى — قرار البقاء داخل المدينة
بلغ الخبر النبي ﷺ، فجمع أصحابه للتشاور. وكانت تجربة أُحد ماثلة في الأذهان، حين خرج المسلمون لملاقاة العدو خارج المدينة ووقع ما وقع. فاستقرّ الرأي هذه المرة على البقاء داخل المدينة والدفاع عنها.
وكانت جغرافيا المدينة تخدم هذا القرار. فمن جهاتها الجنوبية والشرقية والغربية تحميها الحرّات الصخرية وبساتين النخيل المتلاصقة التي يتعذر على الخيل اجتيازها. أما الجهة الشمالية فكانت مكشوفة، ومنها سيأتي الخطر.
سلمان الفارسي — الفكرة التي لم تعرفها الجزيرة
أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق يسدّ الجهة المكشوفة. كان سلمان قد جاء من بلاد فارس، حيث تُعرف هذه الحيلة الدفاعية، أما العرب فلم يألفوها. وقبل النبي ﷺ والمسلمون الرأي. وبهذا جاءت الفكرة الحاسمة من رجل غريب عن قبائل العرب، قطع بلاداً كثيرة بحثاً عن الحق، وأصبح اسمه مرتبطاً بهذه الغزوة إلى اليوم.
وتذكر كتب السيرة أن الحفر استغرق نحو ستة أيام. قُسّم العمل بين المسلمين، وشارك فيه النبي ﷺ بنفسه. وروى البخاري أنه كان ينقل التراب مع أصحابه حتى غطّى الغبار صدره الشريف.
ونحن نحفر — مشاهد من العمل
روى البخاري أن الصحابة كانوا يحفرون وهم يرددون أبياتاً في معنى أنهم هم الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقوا، وكان النبي ﷺ يجيبهم بمعنى أنه لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرين. وروى أيضاً أنه كان ينقل التراب وهو يردد مع الصحابة أبياتاً معناها أن الله لولاه ما اهتدوا ولا تصدقوا ولا صلّوا، فأنزل السكينة علينا وثبّت الأقدام.
وكان الجوع شديداً. روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن الصحابة كانوا يشدّون الحجر على بطونهم من الجوع، وأن النبي ﷺ شدّ حجراً على بطنه، فجاء جابر إلى امرأته وقد رأى بالنبي ﷺ خمصاً شديداً. وكان عندهم شيء قليل من الشعير وعناق صغيرة، فصنعت الطعام، ثم جاء جابر يدعو النبي ﷺ دعوة خفيفة، فدعا النبي ﷺ أهل الخندق جميعاً. فأكلوا كلهم وبقي الطعام كما كان، وهو من الآيات التي رواها البخاري.
وروى جابر أيضاً أن صخرة شديدة اعترضت الحفر وعجز المسلمون عنها، فأخذ النبي ﷺ المِعول وضربها، فعادت كثيباً من الرمل. وقد بلغ العمل بالمسلمين حداً شاقاً جعل الخندق، على بساطته، من أشق ما واجهوه.
المحاصَرون — حين يرى الأعداء ما لم يألفوه
وصل الأحزاب فإذا بخندق يعترض الطريق. لم تعهد خيول العرب مثل هذا العائق، فوقفوا حيارى، وأقاموا حصارهم حول المدينة. وكان الرماة يتبادلون الرمي من الجانبين، وتحاول مجموعات من الفرسان اقتحام الخندق من أضيق مواضعه.
وتروي السيرة أن عمرو بن عبد ودّ، وهو فارس معروف من فرسان قريش، اجتاز الخندق مع نفر معه، وطلب المبارزة، فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، وفرّ من معه.
وفي أثناء الحصار شُغل المسلمون عن صلاة العصر، فصلاها النبي ﷺ بعد غروب الشمس، كما في صحيح البخاري. وروى أيضاً أنه قال في ذلك اليوم: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن صلاة الوسطى.»
الشدة — حين بلغت القلوب الحناجر
كانت أيام الحصار قاسية، وقد وصف القرآن الكريم تلك اللحظة بعبارة بليغة:
«إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.» (الأحزاب: 10–11)
وكان من أشد ما واجه المسلمين أن بني قريظة، وهم يهود كانت بينهم وبين النبي ﷺ معاهدة، نقضوا العهد بعد أن حرّضهم زعماء الأحزاب. فصار المسلمون بين عدو أمامهم وخطر قد يأتيهم من خلفهم. وفي تلك اللحظة ظهر نفاق من في قلوبهم مرض، فقالوا ما نقله القرآن عنهم: «مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.» (الأحزاب: 12)
ورفع النبي ﷺ يديه بالدعاء، كما في الصحيحين: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.»
حذيفة في الليل — مهمة في قلب العاصفة
روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ أرسل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في ليلة شديدة البرد والريح، يأتيه بخبر القوم. كانت الليلة مظلمة والريح تقتلع الخيام، وكان حذيفة يرتجف من البرد والجوع. فقال له النبي ﷺ ألا يُحدث شيئاً حتى يرجع إليه.
دخل حذيفة معسكر الأحزاب، فرأى أبا سفيان يقول لقومه كلمة جعلت كل واحد منهم يتحقق ممن بجانبه. فبادر حذيفة بسؤال من إلى جنبه عن اسمه فأخفى أمره. ثم سمع أبا سفيان يأمر بالرحيل. وكان حذيفة قد همّ بقتله لكنه تذكر وصية النبي ﷺ فكفّ. وعاد فأخبر النبي ﷺ أن الأحزاب راحلون.
الحيلة والريح — كيف انفضّ الحصار
تذكر كتب السيرة أن نُعيم بن مسعود، وكان قد أسلم ولم تعلم قومه، جاء النبي ﷺ فأذن له بأن يخذّل بين الأحزاب. فمضى يزرع الشك بين قريش وغطفان وبني قريظة، حتى صار كل فريق يخشى أن يتخلى عنه الآخر، وتعطل التنسيق بينهم في أصعب لحظاته.
ثم أرسل الله على الأحزاب ريحاً شديدة وجنوداً لم يروها، كما ذكر القرآن:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.» (الأحزاب: 9)
أطفأت الريح نيرانهم وقلبت قدورهم وخيامهم، فرحلوا عن المدينة في ليلة باردة مظلمة. وصوّر القرآن هذه النهاية بقوله: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.» (الأحزاب: 25)
ما بعد الغزوة — النصر الذي لم تُستلّ فيه سيوف
قال النبي ﷺ بعد انصراف الأحزاب كلمة صارت علامة على هذه الغزوة، رواها البخاري:
«الآن نغزوهم ولا يغزوننا.»
وكان الأمر كما قال. فبعد الخندق لم تخرج قريش بجيش كبير لغزو المدينة مرة أخرى، وانتقل المسلمون من الدفاع عن وجودهم إلى المبادرة. وقد وصف القرآن موقف المؤمنين الصادقين في تلك الأيام:
«وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.» (الأحزاب: 22)
الدروس
الشورى والإفادة من تجارب الآخرين: جاءت الفكرة الحاسمة من سلمان الفارسي، وهو قادم من حضارة أخرى، ولم يمنع ذلك النبي ﷺ والصحابة من الأخذ بها. فالحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها.
الأخذ بالأسباب مع التوكل: حفر المسلمون الخندق بأيديهم وأعدّوا ما استطاعوا، ثم جاء عون الله. فلا تعارض بين العمل والدعاء.
القيادة في المحنة: شارك النبي ﷺ أصحابه الحفر والجوع، وشدّ الحجر على بطنه كما شدّوه، فلم تكن بينه وبينهم مسافة في الشدة.
التعلم من الأخطاء: كانت تجربة أُحد حاضرة في قرار البقاء داخل المدينة، فالأمم تنضج حين تتعلم من هزائمها.
الثبات حين تشتد الأزمة: الإيمان الذي ازداد في ساعة الخوف هو الذي صنع الفرق بين من ثبت ومن تزعزع، وقد خلّد القرآن ذلك في آيات الأحزاب.
الخاتمة
غزوة الخندق لم تكن أكثر المعارك دماً، لكنها من أعمقها أثراً. حاصر عشرة آلاف مدينةً صغيرة، فأنقذها خندق وفكرة وصبر، ثم ريح ودعاء. وحين رحل الأحزاب كان ميزان القوى في الجزيرة العربية قد تغيّر. وتبقى القصة درساً في أن الأمم لا تنجو بالقوة وحدها، وإنما بحسن التفكير والعمل الجماعي والثبات، وبالثقة بأن النصر يأتي لمن أخذ بالأسباب وصبر
: معلومات لا يعرفها كثيرون عن غزوة الخندق -
تُعرف أيضاً بـغزوة الأحزاب، وهو الاسم الذي ورد في القرآن الكريم في سورة الأحزاب. وتؤرّخها أغلب المصادر في شوال سنة 5هـ (627م)، وتذكر بعض الروايات سنة 4هـ، فاكتب "نحو سنة 5هـ".
تذكر كتب السيرة أن سلمان الفارسي هو من أشار بحفر الخندق، وهي فكرة دفاعية لم تكن مألوفة عند العرب. وهذه الرواية في السير (ابن إسحاق والواقدي) وليست في الصحيحين، فاكتب "تذكر كتب السيرة".
ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ شارك الصحابة في حفر الخندق ونقل التراب معهم، حتى غطّى التراب بطنه الشريف. وتذكر الروايات أن الصحابة عملوا في ظروف برد وجوع شديدين.
تذكر كتب السيرة أن عدد المسلمين نحو ثلاثة آلاف، وأن الأحزاب (قريش وغطفان وحلفاؤهم) نحو عشرة آلاف. وهذه أرقام تقريبية ينقلها ابن إسحاق، وتختلف فيها المصادر، فاكتب "نحو" ولا تجزم.
وصف القرآن شدة الموقف في سورة الأحزاب (الآيات 9–11) في ما يتعلق بالخوف وزيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر، وذكر الريح والجنود التي لم يرها المسلمون. فيمكنك ذكر هذا المعنى والإشارة إلى الآيات، ونقل نصها من المصحف.
جرى في أثناء الحصار نقض بني قريظة للعهد بحسب ما تذكره كتب السيرة، بعد مساعي حيي بن أخطب. وهو موضوع حساس تختلف فيه الروايات ويكثر فيه الجدل، فاكتب بصياغة تاريخية هادئة دون تفصيل أو أحكام.
ثبت في صحيح مسلم قصة إرسال النبي ﷺ حذيفة بن اليمان ليتعرف على أخبار المشركين في ليلة باردة شديدة الريح، وأنه رجع بخبر تفرّقهم. وهذه من أصح الروايات في تفاصيل الليلة الأخيرة.
ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال بعد انصراف الأحزاب: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم". ويراه كثير من المؤرخين نقطة تحول انتقل بعدها المسلمون من الدفاع إلى المبادرة.
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أخّر صلاة العصر يوم الخندق حتى غابت الشمس بسبب انشغالهم بالقتال، فقضاها بعد المغرب. وتبني عليها كتب الفقه مباحث في صلاة الخوف والجمع بين الصلوات، فاكتب الخبر دون استنباط فقهي..
«الآن نغزوهم ولا يغزوننا.»
— النبي محمد ﷺ، رواه البخاري
مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات




Comments