ابن خلدون — الرجل الذي اخترع علم التاريخ

المقدمة

في تاريخ الفكر الإنساني، ثمة عقول تظهر مرة واحدة في كل عصر — عقول تختصر في صاحبها ما يحتاجه الإنسان قروناً ليُدركه، وتُجيب على أسئلة لم يكن أحد يعرف حتى كيف يصيغها. وابن خلدون واحد من هؤلاء النادرين الذين يجعلك تقف أمامهم في دهشة حقيقية — لا لأنه كان أذكى رجل في عصره فحسب، بل لأنه كان أذكى من عصره كله. رجل وُلد في تونس في القرن الرابع عشر الميلادي، وعاش في زمن كان فيه العالم الإسلامي يشهد انهياراً حضارياً بعد ضربات المغول، وتجوّل في مغامرات سياسية أودت بكثير من أقرانه، ثم جلس وحيداً في قلعة مهجورة في الجزائر وكتب في ستة أشهر ما غيّر فهم الإنسانية للتاريخ إلى الأبد. حين قرأ المستشرق الإنجليزي أرنولد توينبي "مقدمة ابن خلدون"، كتب أنها "أعظم عمل من نوعه أنتجه العقل البشري في أي زمان أو مكان." وحين درسها علماء الاجتماع في القرن العشرين، وجدوا فيها بذور ما نسميه اليوم علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وفلسفة التاريخ — كلها في كتاب واحد كتبه رجل واحد قبل ستة قرون.

النشأة — طفل الأزمات والعلم

وُلد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون في تونس في الأول من رمضان عام 732هـ / 1332م — في أسرة عربية يمنية الأصل هاجرت إلى الأندلس ثم إلى تونس، وكانت من أسر العلم والسياسة التي أنجبت في تاريخها وزراء وعلماء وأدباء.

كانت طفولة ابن خلدون مزيجاً من نعمة العلم ومرارة الفقد — نشأ في بيت يُقدّر المعرفة ويجعلها أولى الأولويات، وتتلمذ على يد علماء تونس الكبار ودرس القرآن والحديث والفقه والنحو والبلاغة والفلسفة والرياضيات. لكن الطاعون الأسود الذي اجتاح العالم عام 1348م حمل معه ما لا يُعوَّض — مات أبوه وأمه وكثير من شيوخه في وباء واحد، وكان ابن خلدون في السابعة عشرة من عمره حين وجد نفسه أمام فراغ لا يُملأ. وقال لاحقاً عن تلك الفترة ما معناه أن الوباء أخذ منه العلم قبل أن يأخذ منه الناس — لأنه أخذ الشيوخ الذين كانوا يحملون علماً لم يُكتب بعد.

الشباب السياسي — رجل في عين العاصفة

حين بلغ ابن خلدون العشرين من عمره، دخل عالم السياسة من أوسع أبوابه — وكان ذلك العالم في شمال أفريقيا في القرن الرابع عشر أشبه بلعبة شطرنج لا تنتهي، حيث الممالك تتصارع والتحالفات تتبدل والوزراء يسقطون والسلاطين يتغيرون بسرعة تُدوّخ من يراها من بعيد فكيف بمن يعيشها.

خدم ابن خلدون في بلاط المرينيين بفاس وفي بلاط الزيانيين بتلمسان وفي بلاط الحفصيين بتونس وفي بلاط الأمراء الأندلسيين في غرناطة — وفي كل بلاط كان يصعد ثم يسقط، يُكرَّم ثم يُسجَن، يُستشار ثم يُنفى. وكان في كل هذه التقلبات يرى ما لا يراه غيره — لم يكن يرى مجرد أحداث سياسية بل كان يرى أنماطاً تتكرر، وقوانين تعمل خلف الأحداث، وحركة تاريخية تسير وفق منطق لو فُهم لأمكن التنبؤ به.

وكانت أبرز تجاربه السياسية في الأندلس حين أرسله سلطان غرناطة محمد الخامس سفيراً إلى ملك قشتالة بيدرو الأول — وكان ذلك لقاءً استثنائياً بين حضارتين في لحظة من أكثر لحظات التاريخ تعقيداً. وأعجب بيدرو بابن خلدون إعجاباً بلغ به أن عرض عليه الإقامة في بلاطه وإعادة ملكية أجداده في الأندلس إليه — فرفض ابن خلدون بأدب الدبلوماسي وحزم من يعرف ما يريد.

السجن والتأمل — حين تُصبح المحنة مدرسة

لم تكن حياة ابن خلدون السياسية مسيرة انتصارات متواصلة — بل كانت تتخللها محطات سجن وإقامة جبرية ونفي كانت في ظاهرها نكسات وفي حقيقتها مدارس. حين وجد نفسه في السجن لفترات متفرقة، كان الآخرون يرون رجلاً مهزوماً — لكن ابن خلدون كان يرى فرصةً للتأمل والقراءة والكتابة.

وكان السجن في بعض مراحله ما أتاح له الوقت ليُرتّب أفكاره ويُعيد ترتيب ما جمعه من تجارب — وكان في كل محنة يخرج منها أعمق فهماً وأوسع رؤيةً، كأن القدر كان يُعدّه بالمحنة قبل أن يمنحه المكانة.

قلعة ابن سلامة — الستة أشهر التي غيّرت التاريخ

في عام 1375م، وبعد عقود من التقلبات السياسية، حصل ابن خلدون على ما طالما أراد — الهدوء. لجأ إلى قلعة ابن سلامة في منطقة وهران بالجزائر، تلك القلعة المهجورة الواقعة في  قلب الصحراء بعيداً عن بلاطات الملوك وضجيج السياسة


وفي تلك القلعة، في ذلك العزلة المختارة، جلس ابن خلدون وبدأ يكتب. لم يكن يكتب مجرد كتاب تاريخ — بل كان يُفرّغ في الكتابة كل ما جمعه العقل في أربعة عقود من التجربة والمشاهدة والتأمل. وفي ستة أشهر فقط — ستة أشهر من العمل المتواصل في قلعة مهجورة — أنهى المقدمة الشهيرة التي ستُصبح واحدة من أعظم ما أنتجه العقل البشري.

وحين انتهى من المقدمة، كتب في آخرها بتواضع العالم الواثق من نفسه: "وأخرجت من هذا الكتاب نسخةً وبعثت بها إلى تونس، ثم راجعت واستدركت وزدت فيما بدا لي..." — كأنه يقول إن ما كتبه لا يزال قابلاً للزيادة وهو من كتب ما لم يكتبه أحد قبله.

المقدمة — كتاب يُفكّر قبل عصره بقرون

ما الذي جعل المقدمة هذا الكتاب الاستثنائي الذي يُذهل قراءه بعد ستة قرون من كتابته؟

الجواب في جوهره بسيط وعميق في آنٍ واحد — ابن خلدون كان أول من نظر إلى التاريخ لا كسلسلة من الأحداث المتتالية بل كظاهرة إنسانية لها قوانين وأنماط يمكن اكتشافها ودراستها بالمنهج ذاته الذي يدرس به العالم الطبيعة. كان يقول ما معناه: كما أن للطبيعة قوانين ثابتة تجعل الماء دائماً ينحدر إلى الأسفل والنار دائماً تصعد — فإن للمجتمعات الإنسانية قوانين ثابتة تجعل الحضارات تنشأ وتزدهر ثم تنهار وفق نمط يمكن فهمه.

نظرية العصبية — وهي من أعظم ما ابتكره ابن خلدون — تقول إن القوة الأساسية التي تُمكّن المجتمعات من البناء والفتح والسيطرة هي "العصبية" — تلك الروابط القبلية والجماعية التي تجعل الناس يتضامنون ويتوحدون ويُضحّون في سبيل بعضهم. وحين تُؤسّس هذه العصبية الدولة وتستقر في الحضارة والثروة والرفاه، تبدأ العصبية ذاتها في التآكل — يستبدل الناس التضحية بالترف والوحدة بالتنافس والبناء بالاستهلاك. وحين تُكمل هذه الدورة، تكون هناك في البادية قبيلة أخرى يجمعها ما فقدته الحضارة القائمة — عصبية جديدة تنتظر دورها في التاريخ.

في الاقتصاد — سبق ابن خلدون بنظرياته اقتصاديين عظاماً جاؤوا بعده بقرون. فكّر في الضرائب وعلاقتها بالنشاط الاقتصادي بطريقة تُشبه ما سمّاه الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر في القرن العشرين بـ"منحنى لافر" — وقال ابن خلدون قبله بستة قرون ما معناه: حين تكون الضرائب معقولة يزدهر الاقتصاد وتزيد عائدات الدولة، وحين تُفرط الدولة في الضرائب يُفضي ذلك إلى انهيار الاقتصاد وتراجع عائداتها في نهاية المطاف.

في علم الاجتماع — وضع ابن خلدون أسس ما لم يُسمَّ في عصره ولم يُؤسَّس رسمياً إلا في القرن التاسع عشر على يد الفرنسي أوغست كونت. درس كيف يعمل المجتمع وكيف تنشأ العلاقات الاجتماعية وكيف تُؤثّر البيئة الجغرافية في طبيعة  المجتمعات — وهي أسئلة ظنّ كثيرون أنها لم تُطرح إلا حديثا

لقاء تيمورلنك — حين يلتقي عقلان من طينة مختلفة

من أكثر مشاهد حياة ابن خلدون إثارةً للتأمل ذلك اللقاء الاستثنائي الذي جمعه بالفاتح المغولي تيمورلنك عام 1401م حين كان ابن خلدون في السبعين من عمره وتيمورلنك يحاصر دمشق.

نزل ابن خلدون من دمشق المحاصرة بحبل من أسوارها لمقابلة تيمورلنك — وكان ذلك في حد ذاته فعل شجاعة أو ربما فضول العالم الذي لا يخشى الموت بقدر ما يخشى أن يفوته لقاء بشخصية بهذا الثقل التاريخي.

جلس العالم الذي فهم قوانين التاريخ أمام الرجل الذي كان يصنع التاريخ — وكان الحوار بينهما من أغرب وأعمق ما رواه ابن خلدون في سيرته الذاتية. سأله تيمورلنك عن المغرب والأندلس وشمال أفريقيا وجغرافيتها وأحوالها وملوكها — وكان ابن خلدون يُجيب بالتفصيل الذي لا يملكه إلا من عاش تلك البلاد وفهم قوانينها. وكتب ابن خلدون بعد اللقاء أنه قدّم لتيمورلنك رسالة مفصّلة في وصف المغرب — وكان يعلم أنه ربما يُعطيه بذلك مفاتيح بلاد لم تغزُها يده بعد. لكن اللقاء انتهى بسلام وعاد ابن خلدون إلى القاهرة حاملاً في ذاكرته مشهداً لم يُشبهه مشهد.

القاهرة — العقل في حضرة السلاطين

أمضى ابن خلدون سنواته الأخيرة في القاهرة — عاصمة المماليك وأعظم مدن العالم الإسلامي في ذلك العصر. وكانت القاهرة بالنسبة لابن خلدون ما تكون بحيرة الهدوء لرجل أمضى حياته في عواصف المحيط — مكاناً أتاح له أخيراً أن يُكمل أبحاثه ويُراجع كتابه ويُدرّس في الأزهر الشريف ويتولى منصب قاضي المالكية.

لكن القاهرة لم تكن هادئة تماماً — فقضاؤه كان مثله تماماً، شجاعاً حتى حدود الجرأة. يُروى أنه كان يُطبّق الحق دون النظر إلى مكانة المتقاضين أو نسبهم — وكان ذلك في مجتمع تسود فيه الوساطة والمحاباة أقرب إلى الثورة منه إلى مجرد الموقف. وعُزل من منصب القضاء أكثر من مرة بسبب هذه الاستقامة — وعُيِّن مرات أخرى لأن السلاطين كانوا يحتاجون إلى قاضٍ يُصدَّق حكمه.

الوفاة — عقل لا يعرف التقاعد

توفي ابن خلدون في القاهرة في الخامس والعشرين من رمضان عام 808هـ / 1406م — وكان في الرابعة والسبعين من عمره. ويُروى أنه كان حتى أيامه الأخيرة يراجع كتابه ويُضيف إليه ويُعيد صياغة بعض فصوله — عقل لا يعرف التقاعد حتى حين يتعب الجسد.

دُفن في مقابر الصوفية خارج القاهرة — ولم يكن أحد في ذلك اليوم يعلم أن هذا الرجل الذي يُشيّعونه كان قد كتب شيئاً سيجعل اسمه أكبر بعد موته مما كان في حياته.

الإرث — عقل سبق عصره بقرون

حين بدأ الغربيون يقرؤون ابن خلدون في القرن التاسع عشر، كان ردّ فعلهم مزيجاً من الإعجاب والذهول والحرج — الإعجاب لأن ما وجدوه كان أعمق مما توقعوه، والذهول لأنه كُتب قبل قرون من كل من ظنوا أنه أسّس هذه العلوم، والحرج لأن ذلك كان يعني أن أوروبا لم تخترع علم الاجتماع بل إنها إنما أعادت اكتشاف ما سبق إليه رجل عربي مسلم في القرن الرابع عشر.

كتب عنه المستشرق الإنجليزي روبرت فلينت: "ابن خلدون فيلسوف تاريخ أعظم من أي يوناني." وكتب عنه المؤرخ الأمريكي فيليب حتي: "لم يظهر في أي مكان آخر من العالم في القرون الوسطى ما يُضاهي هذه النظرية في عمقها وشمولها." وكان الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر يعترف بأن ابن خلدون سبقه إلى الفكرة التي أسّس عليها نظريته الاقتصادية الشهيرة.

الخاتمة

ابن خلدون كان ذلك النوع النادر من البشر الذي لا يُولد إلا مرة في كل قرون — رجل رأى في الحروب والتقلبات والسجون والمنافي والبلاطات ما رآه فيها الآخرون وزيادة. فالآخرون رأوا أحداثاً وهو رأى قوانين. والآخرون رأوا ملوكاً وهو رأى دورات. والآخرون رأوا مصائب وهو رأى مادة للفكر. وحين جلس وحيداً في قلعة مهجورة وكتب ما كتب، لم يكن يكتب عن الماضي فحسب — بل كان يكتب عن الإنسان في كل زمان وكل مكان. وهذا هو السبب في أن المقدمة لا تزال تُقرأ وتُدرَّس بعد ستة قرون — لأن الإنسان الذي كتب عنه ابن خلدون هو نفسه الإنسان الذي يعيش اليوم ويصنع التاريخ

     : معلومات لا يعرفها كثيرون عن ابن خلدون -

وُلد ابن خلدون عام 1332م في تونس — وفقد والديه وهو في التاسعة عشرة من عمره بسبب وباء الطاعون الأسود الذي اجتاح شمال أفريقيا، وكان ذلك الحدث المؤلم هو ما دفعه للتفكير العميق في أسباب صعود الحضارات وسقوطها

سجنه سلاطين المغرب والأندلس أكثر من مرة بسبب مؤامرات السياسة — وفي إحدى المرات قضى سنتين في السجن قبل أن يُفرج عنه، وكان يقول: "السجن علّمني ما لم تعلّمني كتب العلماء"

ألّف ابن خلدون مقدمته الشهيرة في 5 أشهر فقط عام 1377م وهو معتزل في قلعة ابن سلامة بالجزائر — وهو الكتاب الذي اعتبره المفكر البريطاني أرنولد توينبي "أعظم كتاب في التاريخ الإنساني"

التقى ابن خلدون بـتيمورلنك المغولي حين حاصر دمشق عام 1401م — ونزل إليه بحبل من سور المدينة وجلس معه أسابيع يتحدثان، وكتب عن تلك اللقاءات وصفاً نفسياً لتيمورلنك لا مثيل له في التاريخ

ابن خلدون هو مخترع علم الاجتماع قبل الفرنسي أوغست كونت بـ400 سنة — وفكرة العصبية القبلية التي طرحها لتفسير صعود الدول وسقوطها لا تزال تُدرَّس في أعرق جامعات العالم حتى اليوم

مات ابن خلدون عام 1406م في القاهرة بعد أن تولّى القضاء فيها سبع مرات وعُزل سبع مرات — وحين سُئل عن ذلك قال: "العلم يُعلّمك الحق والسياسة تُعلّمك البقاء — وبينهما مسافة لا يقطعها إلا الشجعانويكرر أخطاءه ويسعى إلى مجده في دورة لا تنتهي.

"التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار عن الدول والأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق."

— ابن خلدون، المقدمة

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments