الغزالي — الرجل الذي أنقذ الإسلام من الشك وأنقذ نفسه من اليقين الزائف

 المقدمة

في تاريخ الفكر الإسلامي، ثمة شخصيات تُؤثّر في مجرى الأفكار لقرون بعد رحيلها — وأبو حامد محمد الغزالي واحد من هؤلاء الذين لا يُقرأ الإسلام الفكري دون المرور بهم. لكن ما يجعل الغزالي استثنائياً بين العلماء الكبار ليس فقط ما كتبه — بل ما عاشه. كان إنساناً آمن ثم شكّ ثم آمن مرة أخرى بطريقة مختلفة — وكان صادقاً في كل هذه المراحل إلى درجة كتب فيها عن أزمته الروحية والفكرية بشفافية لم تُعرف في كتب العلماء قبله. وحين قرأ أوروبيون كتابه "المنقذ من الضلال" في القرن العشرين، وجدوا فيه سيرة أزمة وجودية تُشبه ما عاشه كيركيغارد وديكارت وكثير من فلاسفة الغرب — وكان الغزالي قد كتبها قبلهم بقرون. كان الغزالي باختصار إنساناً قبل أن يكون عالماً، وكانت إنسانيته هي التي جعلت علمه يعيش.

النشأة — طفل الطوس الذي أُوصي بطلب العلم

وُلد أبو حامد محمد بن محمد الغزالي عام 450هـ / 1058م في مدينة طوس في خراسان — تلك المدينة الفارسية العريقة التي أنجبت من العلماء والشعراء والمفكرين ما يفوق حجمها. وكان أبوه رجلاً بسيطاً يعمل في غزل الصوف — ومنه جاء اسم "الغزالي" نسبةً إلى هذه الحرفة أو إلى قرية "غزالة" قريبة من طوس.

مات الأب حين كان الغزالي وأخوه أحمد صغيرَين — وأوصى قبل موته صديقاً له صوفياً أن يُعلّم ابنيه. وحين نفد ما تركه الأب من مال قليل، قال الصديق للولدَين بصدق مؤلم: "لا مال عندي، لكن أنصحكما بطلب العلم فهو خير زاد للحياة." وكان في تلك الوصية ما رسم مسار حياة الغزالي كلها.

التحق الغزالي بمدارس طوس ثم جرجان ثم عاد إلى طوس — ثم انطلق إلى نيسابور حيث التحق بالمدرسة النظامية وتتلمذ على يد إمام الحرمين الجويني — العالم الأصولي الكبير الذي قال عنه الغزالي لاحقاً إنه كان بحراً مغرقاً لا يُرى له ساحل.

الصعود — نجم يشرق في سماء بغداد

حين مات الجويني عام 478هـ، لم يكن الغزالي مجرد طالب علم عادي — كان قد أصبح في نظر معاصريه أحد أبرز العقول في عالمه. وانتقل إلى معسكر الوزير السلجوقي الكبير نظام الملك — ذلك الوزير العبقري الذي أسّس المدارس النظامية في أنحاء العالم الإسلامي ورعى العلماء برعاية لم تعرفها حواضر الإسلام من قبل.

في معسكر نظام الملك، تناظر الغزالي مع كبار علماء عصره وتفوّق عليهم في المناظرة — وكان نظام الملك مبهوراً بهذا الشاب الذي يُجادل أضعاف سنّه بأسلحة لا تُردّ. وفي عام 484هـ / 1091م، عيّن نظام الملك الغزالي — وكان في الثالثة والثلاثين من عمره — أستاذاً في المدرسة النظامية ببغداد، أرفع منصب علمي في الإمبراطورية السلجوقية.

كانت بغداد في ذلك العصر قلب العالم الإسلامي — وكانت المدرسة النظامية قبلة طلاب العلم من كل مكان. وحين صعد الغزالي منبر التدريس فيها كان أمامه مئات الطلاب من كل الأمصار — وكانت شهرته تسبقه إلى أماكن لم يزرها.

وكان في قمة مجده العلمي ينتج في تلك الفترة أعظم ردوده الفلسفية — كتابه "مقاصد الفلاسفة" الذي عرض فيه الفلسفة عرضاً أميناً، ثم كتابه "تهافت الفلاسفة" الذي نقدها نقداً حاداً أثار جدلاً لم يهدأ حتى اليوم.

الأزمة — حين يشكّ العالم في كل شيء

هنا تأتي اللحظة التي تجعل قصة الغزالي مختلفة عن قصص العلماء الكبار — لحظة الأزمة التي هزّت كيانه وغيّرت مسار حياته كله.

في عام 488هـ / 1095م — وكان الغزالي في ذروة مجده وشهرته وعطائه العلمي — أصابه ما أسماه لاحقاً "التشكيك". بدأ يسأل نفسه أسئلة لم تكن مريحة: هل ما يُعلّمه حقيقي؟ هل علمه لوجه الله أم للجاه والسمعة؟ هل يُؤمن فعلاً بما يقول أم يُؤدّي دوراً أتقنه؟

كتب الغزالي عن تلك الأزمة في "المنقذ من الضلال" بصدق مذهل قلّما يُوجد في كتب العلماء:

"وإذا بي قد تأملت في أمري فإذا أنا لا أجد نفسي مستمسكاً بشيء، وكل ما أعتقده فهو مشكوك فيه... وانتهى بي الحال إلى أن ضعف قلبي وتعذّر عليّ الكلام والتدريس."

وبلغ به الأمر أن أُصيب بمرض جسدي حقيقي — أُصيب بعسر في البلع وانقطع عن الكلام تقريباً وعجز عن تناول الطعام. وكان الأطباء يُعالجون جسده وهو يعلم أن الداء في روحه لا في جسده.

الهروب — حين يترك العالم كل شيء

في شوال عام 488هـ، اتخذ الغزالي قراراً هزّ بغداد كلها — ترك منصبه في المدرسة النظامية وثروته وسمعته وطلابه وذهب. لم يُخبر إلا القليلين بأنه لن يعود. وأوهم من حوله أنه ذاهب إلى الحج ثم غادر إلى الشام.

وكان في هذا الترك ما يُجسّد جوهر أزمته — رجل كان يُعلّم الناس أن الدنيا فانية وأن الآخرة هي الحقيقة، فاكتشف أنه يُعلّم ما لا يعيشه. وكان الترك هو الاختبار الأول لصدقه مع نفسه.

أمضى الغزالي حوالي عشر سنوات في رحلة روحية — في دمشق وبيت المقدس والمدينة المنورة ومكة المكرمة وبغداد ومدن أخرى. كان في بعضها يعيش حياة الصوفي الزاهد المنقطع عن الناس، وكان يكتب في بعضها ما سيُصبح أعظم كتبه — "إحياء علوم الدين".

إحياء علوم الدين — الكتاب الذي لا يموت

في تلك السنوات من العزلة والتجوّل والبحث، كتب الغزالي أعظم ما كتب — "إحياء علوم الدين" — الكتاب الذي قال عنه العلماء لاحقاً إنه لو ضاعت كتب الإسلام كلها وبقي الإحياء لكان فيه ما يُعوّض.

كان الإحياء مشروعاً طموحاً بكل معنى الكلمة — أربعة أرباع تغطي العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات. لم يكن كتاب فقه يُعلّم الحلال والحرام، ولا كتاب فلسفة يُناقش الوجود والعدم، ولا كتاب تصوف يتحدث عن المقامات والأحوال — بل كان الثلاثة معاً في مشروع متكامل يُريد أن يصل إلى قلب المسلم العادي قبل أن يصل إلى عقل العالم المتخصص.

وكان في الإحياء ما جعله مختلفاً عن كل ما سبقه — الغزالي يكتب بلغة من عاش ما يكتب لا من قرأ ما يكتب. حين يتحدث عن الرياء والكبرياء والغفلة، كان يتحدث عن نفسه قبل أن يتحدث عن القارئ — وهذه الصدق الذاتي كانت ما يُعطي الكتاب ثقله الذي لا يُشبهه ثقل.

تهافت الفلاسفة — المواجهة الكبرى

قبل أزمته وخلوته، كان الغزالي قد خاض المواجهة الفكرية الكبرى مع الفلسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" — الكتاب الذي أراد فيه أن يُثبت تهافت ادعاءات الفلاسفة وتناقضها.

كان الفلاسفة المسلمون — وعلى رأسهم الفارابي وابن سينا — يُقدّمون نظريات فلسفية في طبيعة الله والخلق والروح كانت في نظر الغزالي تتعارض مع ثوابت الإسلام. واختار الغزالي ثلاث مسائل رأى فيها الفلاسفة يخالفون الإسلام مخالفة صريحة: قولهم بقدَم العالم، وقولهم بجهل الله بالجزئيات، وقولهم بأن البعث جسداني لا روحاني.

وكان كتاب "التهافت" في أسلوبه ثورةً في فن النقد — لم يكتفِ الغزالي بأن يقول "هذا خطأ" بل دخل في عقر الفلسفة ذاتها وناقشها بأدواتها ونقضها من داخلها. وهو ما جعل ابن رشد لاحقاً يكتب "تهافت التهافت" رداً عليه — في واحد من أشهر الجدلات الفكرية في تاريخ الإسلام.

العودة — الشيخ الذي وجد ما بحث عنه

في عام 499هـ / 1106م، عاد الغزالي إلى التدريس — لكنه لم يعد إلى بغداد ولا إلى المدرسة النظامية. عاد إلى نيسابور ودرّس في المدرسة النظامية هناك قبل أن ينسحب مرة أخرى إلى طوس مدينته التي وُلد فيها.

وكانت العودة مختلفة عن الانطلاق الأول — لم يعد إلى ما كان يبحث عن شهرة أو مكانة، بل عاد رجلاً وجد ما بحث عنه وأراد أن يُشاركه. وكان الفرق بين الغزالي الذي صعد منبر بغداد عام 484هـ والغزالي الذي عاد عام 499هـ كالفرق بين رجل يحمل خريطة ورجل عاد من الرحلة — الأول يعرف الطريق والثاني يعرف الوجهة.

آخر سنواته — عالم اختار البساطة

قضى الغزالي سنواته الأخيرة في طوس — يُدرّس طلاباً قلّة في بيته الصغير ويُكمل كتاباته ويعيش حياة الزاهد الذي اختار البساطة لا لأنه لا يستطيع الحصول على غيرها بل لأنه لا يريد غيرها.

ويُروى أنه في صباح وفاته — الرابع عشر من جمادى الآخرة عام 505هـ / 1111م — طلب غسله وتكفينه وصلّى صلاة الفجر ثم مدّ رجليه واستقبل القبلة ومات. وكان في تلك النهاية الهادئة كل ما أراد أن يقوله عن الموت في كتبه — أن الموت الحسن يبدأ من حسن الاستعداد له.

توفي الغزالي وكان في الثالثة والخمسين من عمره — عمر قصير بمقياس العمر البيولوجي لكنه طويل بمقياس ما أعطى وما غيّر.

الإرث — عالم لا يُنسى

ترك الغزالي وراءه إرثاً فكرياً يصعب حصره — مئات الكتب والرسائل في الفقه والأصول والكلام والفلسفة والتصوف والأخلاق. وكان أثره في التفكير الإسلامي أعمق من أثر معظم من جاء قبله أو بعده — حتى قال عنه بعض العلماء إنه "مجدد المئة الخامسة" أي المجدد الذي بعثه الله في رأس المئة لتجديد الدين.

وكان أثره يمتد خارج حدود الإسلام — حين قرأ الفيلسوف اليهودي ابن ميمون كتبه تأثر بها تأثراً واضحاً في فلسفته. وحين وصل "مقاصد الفلاسفة" إلى أوروبا مترجماً إلى اللاتينية، ظن العلماء الأوروبيون أنه كتاب لفيلسوف يُؤيّد الفلسفة — ولم يعلموا أنه مقدمة لكتاب "التهافت" الذي ينقضها.

وكان أبو حامد الغزالي في كل هذا شيئاً واحداً ثابتاً — باحثاً عن الحقيقة لم يتوقف عن البحث حتى آخر يوم في حياته.

الخاتمة

الغزالي كان ذلك النوع النادر من العلماء الذين يُؤمنون بما يقولون ويُعذَّبون بما يُؤمنون ويُصرّون على الوصول إلى اليقين ولو كان ذلك يعني أن يترك كل ما بناه. وحين ترك بغداد عام 1095م كان كثيرون يرونه مجنوناً يتخلى عن قمة العالم. لكنه كان يرى شيئاً لا يرونه — كان يرى أن العلم الذي لا يُغيّر صاحبه ليس علماً، وأن اليقين الذي لا يُبنى على التجربة الشخصية يقينٌ هشّ. ومات بعد خمسة عشر عاماً من رحلة البحث عن الحقيقة وهو أكثر سلاماً مما كان عليه حين كان في قمة مجده — وهذا وحده يكفي شهادةً على أنه وجد ما بحث عنه.

 : معلومات لا يعرفها كثيرون عن الإمام الغزالي -

وُلد الغزالي عام 1058م في طوس بخراسان — ومات والده وهو طفل صغير، فأوصى والده صديقاً صوفياً برعايته وقال له: "أتحسر أني تعلمت الخط ولم أُحسنه، فعلّم ولدي ما فاتني" — فكان ذلك بداية رحلة العلم الكبرى

وصل الغزالي إلى قمة المجد العلمي وهو في الـ34 من عمره حين عيّنه الوزير نظام الملك أستاذاً في المدرسة النظامية ببغداد — أكبر مؤسسة علمية في العالم الإسلامي آنذاك، وكان يحضر دروسه أكثر من 300 طالب

في قمة مجده ونجاحه أُصيب الغزالي بأزمة نفسية وروحية عميقة — شكّ في كل شيء كان يعلمه وأصابه شلل في لسانه من شدة الأزمة، ففرّ من بغداد تاركاً منصبه ومجده وتلاميذه في ليلة واحدة

قضى الغزالي 11 سنة متنقلاً بين دمشق والقدس والحجاز في عزلة وتأمل — وفي تلك السنوات كتب أعظم كتبه "إحياء علوم الدين" الذي قال عنه العلماء: "لو احترقت كتب الإسلام إلا الإحياء لأغنى عنها"

ألّف الغزالي كتاب "تهافت الفلاسفة" رداً على فلاسفة عصره — وبعده بقرن ردّ عليه ابن رشد بكتاب "تهافت التهافت" — فأصبح الغزالي وابن رشد طرفي أعظم جدل فكري في التاريخ الإسلامي

عاد الغزالي إلى التدريس في آخر حياته في طوس مسقط رأسه — وحين سُئل لماذا يُدرّس مجدداً قال: "إني أُدرّس الآن لوجه الله لا لوجه الناس" وتوفي عام 1111م وأمامه كتاب مفتوح يقرأ فيه 

"العلم الذي لا يزيدك إيماناً وورعاً فهو وبال عليك."

— الغزالي

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments