الإمام البخاري — أمين حديث النبي ﷺ

 المقدمة

في تاريخ العلوم الإسلامية، ثمة كتب يُقال عنها إنها من أعظم ما كُتب — لكن كتاباً واحداً فقط نال شرف أن يُقال عنه إنه أصح كتاب وضعه إنسان بعد كتاب الله تعالى. وصاحب هذا الكتاب كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري — الرجل الذي قضى ستة عشر عاماً يُصنّف "الجامع الصحيح" انتقى فيه من ستمئة ألف حديث فأخرج منها سبعة آلاف وأربعمئة وستة وخمسين حديثاً — يُدرك مَن يعرف علم الحديث ثقلَ هذه الأرقام ويُدرك كيف كانت كل حديث وراءه سهر ليلة وتمحيص إسناد وبحث في رجال يُطابق بينهم عبر قرن كامل من الرواية. لكن قصة البخاري ليست قصة كتاب فحسب — بل هي قصة إنسان آمن بأن كل كلمة تُنسب إلى النبي ﷺ أمانة لا تُحتمل إلا بأقصى ما يستطيعه العقل والروح والجسد. وكان البخاري نفسه حين يُسأل عن سر صحيحه يقول كلاماً يُجسّد هذا الإيمان العميق: "ما أدخلت فيه حديثاً حتى اغتسلت وصليت ركعتين."

النشأة — طفل أُعيدت إليه بصره بدعوة أمه

وُلد محمد بن إسماعيل البخاري في الثالث عشر من شوال عام 194هـ / 810م في بخارى — تلك المدينة الأوزبكية العريقة التي كانت في ذلك العصر من أبرز مراكز العلم الإسلامي في آسيا الوسطى. وكان أبوه إسماعيل رجلاً من أهل العلم — يُروى أنه كان من تلاميذ الإمام مالك وأنه أدرك حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك. مات الأب وهو صغير — وكان ذلك ابتلاءً أولاً في سلسلة ابتلاءات ستُشكّل شخصية عالم.

وأبرز ما يُروى عن طفولة البخاري تلك القصة التي تجمع الإعجاز بالإنسانية في آنٍ واحد — فقد وُلد البخاري أو أُصيب في طفولته بمرض أفقده بصره. وكانت أمه امرأة صالحة مؤمنة لم تركع أمام المصيبة بل رفعت يديها إلى الله — وذات ليلة رأت في منامها إبراهيم الخليل عليه السلام يقول لها: "قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك ودعائك." وحين استيقظت وجدت ابنها يُبصر. وكانت تلك البداية إشارة إلى أن هذا الطفل الذي استُعيدت له رؤية العين سيُعطى من رؤية القلب والعقل في علم الحديث ما لم يُعطَه كثيرون.

الطلب — طفل يحفظ الحديث قبل أن يحتلم

ما يُدهش القارئ في سيرة البخاري هو مبكّرية نبوغه في علم الحديث — نبوغ يجعله يبدو أن الله خلقه لهذا العلم تحديداً ولا شيء غيره.

في العاشرة من عمره، بدأ البخاري يحضر حلقات المحدّثين في بخارى — وكان يحفظ ما يسمع بسرعة تُذهل شيوخه. وفي السادسة عشرة من عمره، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وأتقن مذاهب أهل الرأي — وكان هذا في عصره يعني أنه بلغ مستوى ما يبلغه العلماء بعد عقود من الطلب.

وكان من مواقفه الشهيرة في طفولته العلمية حين كان يجلس في حلقة شيخه الداخلي وصحّح الشيخَ في إسناد حديث — فأنكر الشيخ في البداية ثم رجع فوجد الصحيح ما قاله الطفل. وكان في ذلك الموقف ما يقول بوضوح إن البخاري لم يكن طالب علم عادياً — كان نادرة عصره.

الرحلة — ثلاثون عاماً يطوف الأرض

في السادسة عشرة أيضاً، قرر البخاري وأمه وأخوه الأكبر الذهاب إلى الحج — وكان ذلك القرار الذي غيّر مسار حياته وحياة علم الحديث معاً. لأن الحج كان بداية رحلة علمية ستمتد ثلاثين عاماً طاف فيها البخاري الأرض الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها.

ذهب إلى مكة المكرمة وبقي فيها يطلب العلم بعد الحج. ثم انطلق إلى المدينة المنورة حيث كان يكتب في ضوء القمر لأنه لم يكن يريد أن يُوقظ أصحابه. ثم إلى مصر والشام والعراق وخراسان — في مسيرة من أطول وأشق مسيرات طلب العلم في التاريخ الإسلامي.

وكان يُروى عنه في رحلاته ما يكشف عن شخصية استثنائية — كان يسافر أحياناً بلا زاد كافٍ يأكل ما يجده ولا يسأل أحداً. وكان يُقال إنه مرّ بمراحل في رحلته أكل فيها العشب من جوع ولم يشكُ لأحد. وكان حين يصل إلى شيخ لأول مرة لا يُبادر بالسؤال بل يراقب ويختبر — ويُروى أنه رأى شيخاً يُخادع دابته بإيهامها أن في يده طعاماً ليُمسك بها فلم يأخذ عنه حديثاً واحداً وقال: "من خان في دابته خان في حديث رسول الله ﷺ."

وسمع البخاري من أكثر من ألف وثمانين شيخاً في تلك الرحلات — وكان يحفظ اسم كل شيخ وبلده وسنة وفاته وجرحه وتعديله في ذاكرة لا تنسى. ويُروى أنه كان يستطيع أن يذكر تاريخ ميلاد ووفاة كل راوٍ من مئات الآلاف من رجال الحديث الذين درسهم.

ذاكرة لا تُصدَّق — العقل الذي لم ينسَ

كان للبخاري في علم الحديث من الذاكرة ما جعله أسطورةً في عصره قبل أن يكتب صحيحه. يُروى أن علماء بغداد حين سمعوا بقدومه، أرادوا اختباره — فجمعوا مئة حديث وقلبوا أسانيدها ومتونها وأعطوا كل شيخ من عشرة منهم عشرة أحاديث محرّفة ليرويها للبخاري ويروا إذا كان سينتبه.

قرأ كل شيخ أحاديثه المحرّفة على البخاري فكان البخاري يقول بعد كل حديث: "لا أعرف هذا." حتى أتمّ الشيوخ العشرة قراءتهم. ثم التفت البخاري إلى الشيخ الأول وقال: "أما حديثك الأول فكان كذا وصوابه كذا، وأما الثاني فكان كذا وصوابه كذا..." حتى ردّ كل حديث إلى أصله وصوابه من ذاكرة لم تخطئ واحداً من المئة.

وكان أهل بغداد يقولون بعدها: "أما الحفظ فلا كلام."

الصحيح — ستة عشر عاماً من العطاء

حين رأى البخاري في المنام النبي ﷺ يقف أمامه وبيده مروحة يذبّ عنه — يُروى أن أهل التعبير قالوا له إنك ستذبّ عن رسول الله ﷺ الكذب — قرّر أن يجمع الأحاديث الصحيحة التي يقطع بصحتها في كتاب واحد.

كان العمل على الصحيح رحلة في ذاتها — لم يكن مجرد تصنيف وترتيب بل كان كل حديث امتحاناً منهجياً صارماً لا يتجاوزه البخاري إلا إذا اطمأنّ قلبه وعقله معاً. وكان منهجه في القبول والرد من أشد المناهج الحديثية صرامةً في تاريخ علم الرواية.

أمضى البخاري ستة عشر عاماً في إنجاز هذا الكتاب — يتنقل بين المسجد الحرام وبين مكانه لكتابة الحكم على الحديث بعد صلاة وغسل. وكان يقول: "ما كتبت في هذا الكتاب حديثاً إلا صليت قبله ركعتين." وكان في هذا الجمع بين الطهارة الروحية والدقة العلمية ما يُميّز الصحيح عن كل كتاب حديث آخر — كان تصنيفاً وعبادة في آنٍ واحد.

وانتقى البخاري من ستمئة ألف حديث سمعها — سبعة آلاف وأربعمئة وستة وخمسين حديثاً مع المكرر، ونحو أربعة آلاف بدون تكرار. وكان ذلك الانتقاء الصارم هو الذي جعل الصحيح يستحق اسمه.

المحنة — حين يُضطهد أمين الحديث

لم تمر حياة البخاري بلا محن — وكانت أشدها محنته مع والي بخارى خالد بن أحمد الذهلي الذي طلب من البخاري أن يأتي إلى داره ليُسمع أبناءه الحديث. فأبى البخاري وقال: "أنا لا أُذلّ العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فمن أراد العلم فليأتِ إلى مسجدي أو داري."

فاستشاط الوالي غضباً وأجّج عليه بعض علماء الحسد — ووجّهوا إليه تهماً في مسألة من مسائل علم الكلام تتعلق بلفظ القرآن. وأُخرج البخاري من بخارى مدينته التي وُلد فيها في إهانة لم يكن يستحقها رجل بذل حياته كلها في خدمة سنة النبي ﷺ.

انتقل البخاري إلى سمرقند يريد الاستقرار فيها — لكن بعض أهلها اختلفوا عليه فعدل عنها إلى خرتنك — قرية صغيرة قريبة من سمرقند كان فيها بعض أقاربه. وكان حزنه على ما جرى بالغاً — يُروى أنه قال في دعائه: "اللهم إنه ضاقت عليّ الأرض بما رحُبت، فاقبضني إليك."

الوفاة — رحل كما أراد

في ليلة عيد الفطر من عام 256هـ / 870م، بعد أن صلّى العشاء وقضى وِردَه من الدعاء، استلقى البخاري على فراشه وفاضت روحه إلى بارئها — في هدوء يُشبه هدوء حياته كلها.

وكان عمره اثنين وستين عاماً — عمر قضاه كله بين حفظ الحديث وروايته ونقده وتصنيفه حتى ترك للأمة كنزاً لا ينضب.

ودُفن في خرتنك — وكان قبره بعيداً عن بخارى مدينته التي لم تُنصفه في آخر حياته. لكن التاريخ أنصفه بطريقته الخاصة — فبخارى نُسيت كعاصمة سياسية ولا يزال اسم البخاري حياً في كل بيت مسلم على وجه الأرض.

الإرث — كتاب يعيش بعد صاحبه بألف عام

"الجامع الصحيح" — الذي يُعرف اليوم بـ"صحيح البخاري" — هو الكتاب الذي لم يُختلف على مكانته في تاريخ العلوم الإسلامية. قال عنه علماء الحديث: "أصح كتاب بعد كتاب الله." وقال عنه بعضهم إن تعلّمه والعمل به يُعادل خمساً وعشرين حجة. وكان يُقرأ في المساجد الكبرى من أول إلى آخر في مجالس خاصة تمتد أياماً — وتُقام لختمه احتفالات في أنحاء العالم الإسلامي حتى اليوم.

وكان للصحيح أثر في تاريخ السنة النبوية يفوق الوصف — أعطى المسلمين معياراً واضحاً للتمييز بين الصحيح والضعيف، وأوقف موجة من الوضع والاختلاق كانت تُهدد النص النبوي، وأرسى مفهوم المنهج العلمي في قبول الرواية ورفضها.

الخاتمة

البخاري كان ذلك النوع من البشر الذي يُولد مرة في كل قرون — رجل رأى في كل حديث يُنسب إلى النبي ﷺ أمانةً يتحمّل وزرها أمام الله إن هو أهمل التثبت منها. وكان صرامته العلمية ليست جفاءً بل كانت حباً — حب الرجل الذي يخشى أن يُشيع كذباً على أحب الخلق إليه ﷺ. ومات وقد أدّى الأمانة — وأخرج للأمة كتاباً سيظل يُتلى ويُدرَّس ويُعمَل به ما بقي على الأرض مسلم يُريد أن يعرف ما قاله نبيّه ﷺ. وكان صحيحه في نهاية المطاف ليس كتاباً فحسب — بل كان حياةً كاملة تحوّلت إلى إرث.

 : معلومات لا يعرفها كثيرون عن الإمام البخاري -

وُلد الإمام البخاري عام 810م في بخارى بأوزبكستان اليوم — وفقد بصره في طفولته، فدعت أمه لله بإخلاص فرأى في المنام إبراهيم الخليل يقول لها: "قد ردّ الله على ابنك بصره بكثرة بكائك" — فأصبح بصره كاملاً

حفظ البخاري 70,000 حديث بأسانيدها كاملة عن ظهر قلب — وكان يقول: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين"

استغرق تأليف صحيح البخاري 16 سنة كاملة — وانتقى فيه 7,275 حديثاً من بين 600,000 حديث فحصها وميّز صحيحها من ضعيفها

اختبره علماء بغداد حين قدم إليها بتجربة شهيرة — قرأوا له 100 حديث مع تبديل متونها وأسانيدها عمداً، فردّ كل حديث إلى سنده الصحيح دون أن يتردد لحظة واحدة

رفض البخاري عرض والي بخارى بأن يأتي إلى قصره ليُعلّم أولاده — وقال كلمته الشهيرة: "أنا لا أُذلّ العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين" فأُخرج من بخارى بسبب موقفه هذا

مات الإمام البخاري عام 870م في قرية خرتنك قرب سمرقند غريباً مُبعداً عن وطنه — وكانت آخر كلماته: "اللهم إني قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك"

"ما أدخلت في هذا الكتاب حديثاً إلا صليت قبله ركعتين."

— الإمام البخاري

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات



Comments