فتح مصر — حين جاء عمرو بن العاص يطرق باب أم الدنيا

 المقدمة

في تاريخ الفتوحات الإسلامية الكبرى، يقف فتح مصر في مكانة خاصة لا تُشبه فيها مكانة أي فتح آخر — ليس لأنه كان الأسرع أو الأضخم أو الأكثر دموية، بل لأنه كان الأعمق في أثره الحضاري والأطول في امتداده عبر التاريخ. حين دخل عمرو بن العاص مصر عام 641م، لم يدخل أرضاً عادية — دخل حضارة عمرها سبعة آلاف عام كانت قد ابتلعت قبله فراعنة وإغريقاً ورومان وفارسيين وجعلت من كل غازٍ جزءاً من نسيجها دون أن تذوب هي فيه. وكان عمرو بن العاص يعلم ذلك — لأنه كان رجلاً كان يعرف مصر قبل أن يفتحها، وأحبّها قبل أن يسكنها، وفهمها قبل أن يحكمها. وفتحه لمصر لم يكن مجرد حملة عسكرية — بل كان في بعض جوانبه قصة حب بين رجل ذكي وأرض استثنائية.

عمرو بن العاص — من هو هذا الرجل؟

قبل أن نروي قصة الفتح لا بد من الوقوف أمام الرجل الذي صنعه — لأن عمرو بن العاص كان شخصية استثنائية حتى بمعايير عصر استثنائي بالكامل. 

وُلد عمرو بن العاص في مكة المكرمة في أسرة من أشراف


قريش — وكان أبوه العاص بن وائل من وجهاء مكة الذين ذكرهم القرآن الكريم. ونشأ عمرو على ما نشأ عليه أشراف قريش — فصاحة اللسان وذكاء السياسة وفهم طبيعة البشر وإتقان التجارة.

وكان عمرو من آخر من أسلموا من كبار قريش — أسلم عام 8هـ قُبيل فتح مكة، وكان إسلامه واعياً من رجل فكّر طويلاً قبل أن يختار. ويُروى أنه حين قرّر الإسلام سافر إلى المدينة ورافقه في الطريق خالد بن الوليد — وكان لقاء العقلين على طريق الهداية من أجمل مشاهد ذلك العصر.

حين أسلم عمرو، قال له النبي ﷺ بشارة ستتحقق لاحقاً: "يا عمرو، إني أريد أن أبعثك في وجه يسلمك الله فيه ويُغنمك." وكان في تلك البشارة ما يجعل مصر مكتوبة في قدره قبل أن يطأها قدمه.

وكان عمرو دبلوماسياً بارعاً — بعثه النبي ﷺ إلى ملك عُمان ليدعوه للإسلام فنجح. وبعثه عمر بن الخطاب إلى الشام في حملات الفتح فأبلى البلاء الحسن. وكان رجلاً يُفكّر بعقل السياسي قبل أن يتحرك بيد الجندي — وهو ما جعله مختلفاً عن كثير من القادة الذين كانوا يُحسنون المعارك ويُسيئون السياسة.

مصر قبل الفتح — حضارة تنتظر

كانت مصر حين جاءها الإسلام في وضع بالغ التناقض — تحت حكم بيزنطي ثقيل يستنزف ثرواتها ويضطهد أهلها الأقباط بسبب خلافات لاهوتية عميقة حول طبيعة المسيح عليه السلام.

كان الأقباط — سكان مصر الأصليون — يعانون من ضرائب باهظة لا رحمة فيها، ومن اضطهاد ديني جعل كنائسهم تُغلق وقساوستهم يُنفَون. وكان البيزنطيون ينظرون إلى الأقباط نظرة الغازي الذي يرى في المحكوم أداة لا شريكاً — وكانت مصر في نظرهم مخزن غلة وخزينة ضرائب لا وطناً لشعب له هويته وتاريخه.

وكان النبي ﷺ قد أوصى بمصر وأهلها وصيةً حفظها التاريخ — حين قال: "إنكم ستفتحون أرضاً يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمةً ورحماً." وكانت كلمة "رحم" تُشير إلى هاجر أم إسماعيل التي كانت مصرية الأصل — في ربط نبوي عميق يجعل المصريين في الوجدان الإسلامي أهلاً لا غرباء.

الفكرة التي لا تُصدَّق — عمرو يقترح فتح مصر

كانت بداية قصة فتح مصر أشبه بقصة رجل يؤمن بفكرة ويُصرّ عليها حتى يُقنع العالم بها.

في عام 18هـ، حين كانت الجيوش الإسلامية تُكمل فتح الشام وتُدير شؤون المدن المفتوحة، أرسل عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب يقترح فتح مصر. وكان عمر في بادئ الأمر متردداً — فتح مصر كان يعني الانتقال من قارة إلى قارة، ومن معركة في الشام إلى مغامرة في أفريقيا، ومن أرض يعرفها الجيش إلى أرض يجهلها.

لكن عمرو كان يعرف مصر — كان قد زارها في رحلاته التجارية قبل الإسلام، وكان يُدرك ثروتها وقوتها ومكانتها الاستراتيجية. وكان يُدرك أيضاً ما لا يعرفه الآخرون — أن مصر في تلك اللحظة كانت ناضجة للتغيير بعد عقود من الاضطهاد البيزنطي.

وبالأدلة والحجج والإلحاح الدبلوماسي المعهود من عمرو، وافق عمر على الفتح — لكنه أضاف شرطاً سيصبح لاحقاً من أطرف الحوادث في تاريخ الفتوحات: "إن وصلك كتابي هذا وأنت في مصر فامضِ، وإن لم تكن دخلت مصر فارجع."

الكتاب المخبأ — حيلة القائد الذكي

حين استلم عمرو كتاب عمر وكان على أعتاب مصر، فعل ما يدل على شخصيته — أخفى الكتاب في جيبه ولم يفتحه حتى دخل مصر. وحين سأله أصحابه: "ألا تقرأ كتاب أمير المؤمنين؟" قال: "إنه أمرني إن وصله الكتاب وأنا في مصر أن أمضي. وأنا الآن في مصر."

وحين فُتح الكتاب على أرض مصر، قرأ فيه ما كان يعلمه — وأمضى في حملته. وكانت تلك الحيلة الذكية جمعت بين طاعة الأمير في نصها وتجاوزها في روحها — وهو ما يدل على أن عمرو كان رجلاً يؤمن بالهدف ويوظّف الأدوات في خدمته بذكاء لا يُشبهه ذكاء.

الفتح — معارك وحكمة

انطلق عمرو بجيش لا يتجاوز أربعة آلاف مقاتل في البداية — وهو عدد يجعل من يقرأه اليوم يُصعّب تصديقه. أربعة آلاف رجل لفتح أغنى مقاطعة في الإمبراطورية البيزنطية وأكثرها سكاناً وأمنعها تحصيناً.

لكن ما كان مع عمرو لم يكن في الأعداد — كان في العقيدة والتنظيم والسرعة وفهم الأرض وفهم الناس.

معركة عين شمس عام 19هـ — كانت المواجهة الكبرى الأولى حين التقى عمرو بالجيش البيزنطي في عين شمس قرب القاهرة اليوم. وانتصر المسلمون في مواجهة غير متكافئة بالأعداد لكنها متكافئة في الروح والإيمان بالقضية.

حصار بابليون — كانت القلعة البيزنطية الضخمة التي تسيطر على النيل ومداخل مصر. حاصرها عمرو وانتظر — لم يكن اقتحام الحصون من فلسفته بل كان يُفضّل الحصار الصبور والمفاوضة الذكية على الهجوم المتسرع. وسقط الحصن بعد حصار طال أشهراً.

المقوقس — اللقاء الذي صنع السلام

من أجمل فصول قصة فتح مصر ذلك اللقاء الذي جمع عمرو بن العاص بـالمقوقس — حاكم مصر القبطي الذي كان رجلاً حكيماً يُدرك أن المقاومة العبثية ليست بطولة بل حماقة.

أرسل عمرو رسولاً إلى المقوقس يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب. فاختار المقوقس المفاوضة — وجاءت الرسائل بينهما بأسلوب يكشف عن عقلين كبيرين يتحدثان بلغة الحكمة لا بلغة الغرور.

وحين سأل المقوقس عمرو: "كيف فتحتم ما فتحتم وأنتم قليل؟" أجابه عمرو بجواب خلّده التاريخ: "كنا نلتزم العهود ونوفي بالعقود، وكان الحق فينا ظاهراً والجور فينا باطناً."

وكان في تلك الإجابة ما يختصر سر الفتح الإسلامي كله — ليس القوة العددية بل القوة الأخلاقية.

الإسكندرية — تاج مصر يسقط

بعد سقوط بابليون، كان أمام عمرو الهدف الأكبر والأصعب — الإسكندرية، عاصمة مصر البيزنطية وواحدة من أعظم مدن العالم في ذلك العصر. كانت الإسكندرية مدينة يسكنها مئات الآلاف وتحميها أسوار منيعة ومياه البحر المتوسط من الشمال وحامية بيزنطية ضخمة من الداخل.

حاصر عمرو الإسكندرية في حصار طال أشهراً — وكان خلاله يُدير المعركة بصبر القائد الذي يعرف أن الوقت في صفه. وفي النهاية فُتحت الإسكندرية — لكن فتحها كان بالمفاوضة أكثر مما كان بالسيف. وخرج البيزنطيون منها بأمان وبممتلكاتهم ولم يُهَن أحد — وكان ذلك قراراً عسكرياً وسياسياً في آنٍ واحد.

وحين دخل عمرو الإسكندرية ورأى عظمتها، كتب إلى عمر بن الخطاب تلك الرسالة الشهيرة التي تُجسّد دهشته الصادقة: "لقد فتحت مدينة لا أصف ما فيها من الكثرة. وفيها اثنا عشر ألف بائع للخضراوات، وأربعة آلاف حمام، وأربعون ألف يهودي تحت الذمة..." — وكان يصف مدينة الدهشة لا مدينة الغنيمة.

عمرو ومصر — حب حقيقي

ما يجعل فتح مصر على يد عمرو بن العاص مختلفاً عن كثير من الفتوحات التاريخية هو ذلك الشعور العميق بأن عمرو لم يكن يرى في مصر غنيمة بل كان يرى فيها وطناً ثانياً يحبه.

حين أُمر بالانتقال إلى الشام بعد الفتح، رفض بطريقة دافئة تكشف عن إنسانيته — يُروى أنه قال لعمر: "يا أمير المؤمنين، إن مصر كالبطة السمينة إذا طاف عليها أحد كان أحق بها." وكان يقول بطريقته إنه من أحق الناس بخدمة هذه الأرض التي فتحها.


وحين تولّى ولاية مصر، بنى مسجد عمرو بن العاص — أول مسجد في أفريقيا — في موضع خيمته التي كانت في الفسطاط. ويُروى أنه حين أراد هدم الخيمة لبناء المسجد وجد فيها عشاً لطائر الحمام وفيه بيض — فأمر أن يُبنى المسجد حول الخيمة دون أن يُزعج العش حتى تُفقّس البيوض وتطير الصغار. وكان في تلك اللفتة الإنسانية كل ما يجب أن يُقال عن طبيعة الرجل.

وصية النبي ﷺ تتحقق — استوصوا بأهلها خيراً

من أكثر ما يُميّز فتح مصر عن غيره من الفتوحات التزام عمرو بوصية النبي ﷺ في أهل مصر التزاماً جعل الفتح مختلفاً في روحه عن كل ما سبقه.

لم تُحرَق كنيسة واحدة ولم يُهَن قبطي واحد. ولم يُؤخَذ مال إلا بحقه. وظل الأقباط في كنائسهم يُمارسون شعائرهم بحرية لم يعرفوها في ظل البيزنطيين — بل إن بعض المصادر التاريخية تُشير إلى أن البطريرك القبطي بنيامين الأول — الذي كان مطارداً من البيزنطيين ومختبئاً في الصحراء — عاد إلى الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي وأعاد ممارسة شعائره بحرية.

وكان عمرو يعلم أن الحكم الحقيقي للأرض لا يكون بالغلبة العسكرية بل بكسب قلوب أهلها — وكان هذا الفهم هو ما جعل مصر تنتقل إلى الحضارة الإسلامية انتقالاً هادئاً لم يشهد له التاريخ نظيراً في مثل ذلك الحجم.

الفسطاط — المدينة التي بناها عمرو من لا شيء

حين استقرّ الفتح، قرر عمرو بناء عاصمة جديدة لمصر الإسلامية — وكانت تلك العاصمة هي الفسطاط أي "الخيمة" بالعربية، نسبةً إلى خيمة عمرو التي نُصبت في ذلك المكان حين وصل.

بنى عمرو الفسطاط بعقل المعمار والسياسي معاً — اختار لها موضعاً يُسيطر على النيل ويُتيح التواصل مع الشام ويُعطي المدينة ما تحتاجه من حماية طبيعية. وكانت الفسطاط ستغدو مع الوقت نواة ما نُسمّيه اليوم القاهرة الكبرى — في استمرارية حضارية تمتد من خيمة قائد عربي في القرن السابع إلى عاصمة عالمية في القرن الحادي والعشرين.

رسالة عمرو الخالدة — ردّه على عمر

من أجمل ما يروي التاريخ عن عمرو بن العاص تلك المراسلات بينه وبين الخليفة عمر بن الخطاب التي تكشف عن علاقة بين حاكم ووالٍ قلّما عرفها التاريخ — علاقة تقوم على الصراحة والاحترام والنقد البنّاء.

حين شكا عمرو من قسوة طلبات عمر المالية لمصر، كتب إليه عمر رداً حاداً. فكتب عمرو رداً لا يكتبه إلا رجل واثق من نفسه: "إنك تُحلب مصر حتى تيبس، وإذا يبست لم تُجدِ عليك شيئاً." وكان يقول لعمر: أعطِ مصر وقتها وستُعطيك أكثر.

وكان عمر — رغم حدّته المعروفة — يُقدّر صراحة عمرو هذه لأنها كانت صراحة المخلص لا صراحة المتمرد.

الخاتمة

فتح مصر على يد عمرو بن العاص كان درساً في أن الفتح الحقيقي ليس احتلال الأرض بل كسب قلب الشعب. جاء عمرو إلى مصر بأربعة آلاف مقاتل — وخرج منها بعد سنوات وقد ترك فيها مسجداً لا يزال قائماً ومدينةً أصبحت القاهرة وحضارةً التقت بحضارة سبقتها بألفي سنة فلم يُلغِ أحدهما الآخر. وكانت وصية النبي ﷺ "استوصوا بأهلها خيراً" هي الدستور الذي طبّقه عمرو قبل أن يكتبه — وفي تطبيقه لها كان الفرق بين فتح يُنسى وفتح يُخلَّد.

: معلومات لا يعرفها كثيرون عن فتح مصر -

عمرو بن العاص لم ينتظر إذن الخليفة عمر بن الخطاب لفتح مصر — بل تحرك بجيشه أولاً ثم أرسل رسالة لعمر، فأرسل إليه عمر: "إن كان كتابي وصلك قبل دخولك مصر فارجع، وإن دخلتها فامضِ" — فأخّر عمرو فتح الرسالة حتى دخل مصر

جيش عمرو بن العاص حين فتح مصر لم يكن يتجاوز 4,000 مقاتل في البداية — ثم أُمدّ بـ4,000 آخرين بقيادة الزبير بن العوام، أي أن مصر فُتحت بجيش لا يتجاوز 8,000 مقاتل

المقوقس حاكم مصر البيزنطي كان يكره البيزنطيين أنفسهم ويرفض سياساتهم الدينية — لذلك لم يُقاوم المسلمين بشدة وفضّل التفاوض معهم، وكان قد أرسل هدايا للنبي ﷺ من بينها مارية القبطية

الإسكندرية حين فُتحت كانت ثاني أكبر مدن العالم بعد روما — وحين رأى عمرو بن العاص عظمتها كتب إلى عمر بن الخطاب: "فتحت مدينة لا أصف ما فيها، وفيها 4,000 قصر و4,000 حمام و400 ملهى"

بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط لتكون عاصمة مصر الإسلامية — وهي النواة الأولى لمدينة القاهرة الحديثة، أي أن القاهرة اليوم قامت على أرض خيّم فيها جيش عمرو بن العاص

أهل مصر القبط رحّبوا بالمسلمين لأنهم كانوا يعانون من الاضطهاد الديني البيزنطي — وكان البيزنطيون يفرضون عليهم عقائد دينية بالقوة، فرأوا في المسلمين محررين لا  

      "غزاة"استوصوا بأهل مصر خيراً، فإن لهم ذمةً ورحماً."

— النبي محمد ﷺ

مدونة جيل المعرفة | سلسلة التاريخ والحضارات

Comments